إلى السعيد [1] ولده فأعتبه قيّم الملك لحينه وأعاده إلى رسمه. ودالت الدولة إلى السلطان أبي سالم، [2] وكان له به الاتصال قبل تسوّغ المحنة بما أكد حظوته، فقلده ديوان الإنشاء مطلق الجرايات محرر السهام نبيه الرتبة إلى آخر أيامه. [3] ولما ألقت الدولة مقادها بعده إلى الوزير عمر بن عبد الله [4] مدبّر الأمر وله إليه قبل ذلك وسيلة وفي حليه شركة وعنده حق رابه تقصيره عما ارتمى إليه أمله، فساء ما يبينهما [5] إلى أن آل إلى انفصاله عن الباب المريني.
دخوله غرناطة:
ورد على الأندلس في أوائل شهر ربيع الأول من عام أربعة وستين وسبعماية، واهتزّ له السلطان [6] وأركب خاصته لتلقّيه، وأكرم وفادته وخلع عليه وأجلسه بمجلسه الخاص. ولم يدّخر عنه بِرّا ومؤاكلة ومطايبة
(1) أبو بكر السّعيد الأوّل ابن أبي عنان (المخلوع) [759 - 760ھ / 1358 - 1359 م] استبدّ بسلطته الوزير الحسن بن عمر.
(2) أبو سالم إبراهيم بن علي: 760 - 762ھ / 1359 - 1361 م.
(3) أصبح ابن خلدون من المقرّبين داخل بلاط أبي سالم «فرعى لي السّابقة واستعملني في كتابة سرّه والترسيل عنه والإنشاء لمخاطبته» (7/ 541) ثم ولاّه في آخر الدولة «خطّة المظالم فوفّيتها حقّها» . (7/ 545)
(4) هو الوزير عمر بن عبد الله بن علي بن سعيد اليباني، نسبة إلى بني يابان من قبائل بني مرين، وهو زوج أخت السلطان أبي سالم الذي استخلفه على قاعدة ملكه مدينة فاس الجديدة عندما انتقل منها السلطان إلى فاس القديمة، وهذا الوزير هو الذي قام بالثورة التي انتهت بمصرع أبي سالم. وصفه ابن الخطيب قائلا: «نسمة السّوء وجملة الشّؤم ... دعا الناس إلى بيعة أخيه [أبو سالم] المعتوه ... وغدر الخبيث المؤتمن على قلعته ... عمر بن عبد الله ... صعّر الله حزبه وخلّد خزيه.» [الإحاطة، مج 1، ص 29.]
(5) اعتبره ابن خلدون ندّا له فقد كان رفيق حبسه بسجن أبي عنان مع الأمير أبو عبد الله محمد بن أبي زكرياء الحفصي: « ... كان ثالث أثافينا ومصقلة فكاهتنا ... إلى أن هجرته وقعدت عن دار السلطان مغاضبا له، فتنكّر لي وأقطعني جانبا من الإعراض.» (7/ 546) .
(6) الغنيّ بالله محمد الخامس سلطان غرناطة، أبو عبد الله ابن الأحمر. ولاية أولى (755 - 760ھ/ 1354 - 1359 م) ثم ولاية ثانية (763 - 793ھ / 1362 - 1391 م) . كان ابن الخطيب وزيرا له لفترة.