فهرس الكتاب

الصفحة 14 من 114

وفكاهة. [1]

وخاطبني لما حلّ بظاهر الحضرة مخاطبة لم تحضرني الآن، فأجبته عنها بقولي [2] :

حللت حلول الغيث في البلد المحْل ... • ... على الطائر الميمون والرحب والسهل

يمينًا بمن تغدو الوجوه لوجهه ... • ... من الشيخ والطفل المهدأ والكهل

لقد نشأت عندي للقياك غبطة ... • ... تنسى اغتباطي بالشبيبة والأهل

أقسمت بمن حجّت قريش لبيته، وقبر صرفت أزمة الأحياء لميته، الذي زيارته الأمنية السنيّة، والعارفة الوارفة، واللطيفة المطيفة، بين رجع الشباب - يقطر ماء، ويرفّ نماء، ويغازل عيون الكواكب، فضلا عن الكواعب، إشارة وإيماء، بحيث لا الوخط [3] يلمّ بسياج لمّته، أو يقدح ذبالة في ظلمته، أو يقوم حواريه في ملته، من الأحابش وأمته، وزمانه روح وراح، ومغدى في النعيم ومراح، وقصف صراح، ورفى وجراح، وانتخاب واقتراح، وصدور ما بها إلا انشراح، ومسرات تردفها أفراح، - وبين قدومك خليع الرسن مُمَتّعًا والحمد لله، باليقظة والوسن، محكمًا في نُسك الجنيد، أو فتك الحسن، ممتعًا بظرف المعارف مالئًا أكفّ الصيارف، ما حيًا بأنوار البراهين شبه الزخارف- لما اخترت الشباب، وإن شاقني زمنه، وأعياني ثمنه وأجرت سحاب دمعي دمنه. فالحمد لله الذي رقى جنون اغترابي وملكني أزمة آرابي [4] ، وغبّطني بمائي وترابي، ومألفِ أترابي، وقد أغصّني بلذيذ شرابي، ووقع على سطوره المعتبرة إضرابي، وعجّلت هذه مغبطة بمناخ المطيّة، ومنتهى الطيّة، وملتقى للسعود غير البطيّة، وتَهنّى الآمال الوثيرة الوطية، فما شئت من نفوس عاطشة إلى ريّك متجملة بزيك، عاقلة خطى مُهريّك، ومولى مكارمه نشيدة أمثالك، ومظان مثالك، وسيصدق الخبر ما هنالك، ويسع فضل مجدك في التخلّف عن الأصحار، لا بل اللقاء من وراء البحار والسلام.

ولما استقرّ بالحضرة، جرت بيني وبينه مكاتبات أقطعها الظرف جانبه وأوضح الأدب فيها مذاهبه. فمن

(1) توجّه ابن خلدون إلى الأندلس عن طريق سبتة وحلّ بها في ربيع الأوّل سنة 764 (ديسمبر 1362) وتمّ الترحيب به وتكريمه وقضى بها سنتين وأربعة أشهر. كلّفه السلطان بمهمّة سياسية تتمثّل في القيام بزيارة مجاملة لملك قشتالة بيار الأوّل المقيم بأشبيلية وشكره على المساعدة التي تلقّاها محمد الخامس خلال محاولة استرجاع سيطرته على غرناطة.

(2) أورد ابن خلدون 4 أبيات من هذه القصيدة في التعريف. (7/ 549)

(3) الوخط: مادة"وخط": الوَخْط من القَتِير: النَّبْذُ، وقيل: هو اسْتِواء البياض والسوادِ، وقيل: هو فُشُوُّ الشَّيْب في الرأْس. وقد وخَطَه الشيبُ وخْطًا ووخَضَه بمعنى واحد أَي خالَطَه. (لسان العرب.)

(4) مادة"أرب": الإِرْبَةُ والإِرْبُ: الحاجةُ، وتقول العرب في المثل: مَأْرُبَةٌ لا حفاوةٌ، أَي إِنما بِكَ حاجةٌ لا تَحَفِّيًا بي. وهي الآرابُ والإِرَبُ، أَرِبَ في ذلك الأَمرِ أَي بَلَغَ فيه جُهْدَه وطاقَتَه وفَطِنَ له. وقد تأَرَّبَ في أَمرِه. (لسان العرب.)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت