هذا بعد منازعة للأطواق يسيرة، يراها الغَيَدُ [1] من حسن السيرة، ثم شُرع في حلّ التِّكة، [2] ونزع الشكة [3] ، وتهيئة الأرض الغرار [4] عمل السكة، ثم كان الوحى [5] والاستعجال، وحمى الوطيس والمجال، وعلا الجزء الخفيف، وتضافرت الخصور الهيف، وتشاطر الطبع العفيف، وتواتر التقبيل، وكان الأخذ الوبيل، وامتاز الأنوك [6] من النبيل، ومنها جائر، وعلى الله قصد السبيل، فيا لها من نِعَمٍ متداركة، ونفوس في سبيل القحّة متهالكة، ونفس يقطع حروف الحلق، وسبحان الذي يزيد في الخلق. وعظمت الممانعة وكثرت باليد المصانعة، وطال الترواغ والتزاور، وشكى التجاور، وهنالك تختلف الأحوال. وتعظم الأهوال، وتخسر أو تربح الأموال، فمِن عصا، تنقلب ثعبانًا مبينًا، ونونه تصير تنّينًا، وبطل لم يهله المعترك الهائل، والوهم الزائل، ولا حال بينه وبين قرّته الحائل، فتعدّى فتكة السُّليْكِ [7] إلى فتكة البرّاض، [8] وتقلّد مذهب الأزارقة [9] من الخوارج في الاعتراض. ثم
(1) الغيدُ: مادة"غيد": غَيِدَ غَيَدًا وهو أَغْيَدُ: مالت عنقُه ولانَتْ أَعْطافُه، وقيل: استرخت عنقه. والغَيَدُ: النُّعومةُ. والأَغْيَدُ من البنات: الناعم المتثني. والغَيْداء: المرأَة المتثنية من اللين، وقد تغايدت في مَشْيِها. والغادَةُ: الفتاة الناعمة اللينة. (لسان العرب)
(2) التكة: مادة"تكك": هي تِكَّة السراويل، وجمعها تِكَكٌ؛ والتِّكةُ رباط السراويل. (لسان العرب)
(3) الشكة: مادة"شكك": الشِّكَّةُ ما يلبس من السلاح. (لسان العرب)
(4) الغرار: مادة"غرر"، الغِرار والأَغْرارُ جمع الغِرّ. بَيْضاءَ غَرِيرة؛ هي الشابة الحديثة التي لم تجرِّب الأُمور. (لسان العرب)
(5) الوحى: مادة:"وحي"، يقال: الوحَى في السير، و يقولون: الوَحى الوَحى والوَحاء الوَحاء، يعني البِدارَ البِدارَ، والوَحاء الوَحاء يعني الإِسراع، والوَحِيُّ، على فعيل: السَّريعُ. يقال: مَوْتٌ وَحِيٌّ. (لسان العرب)
(6) الأنوك: مادة:"نوك": النُّوكُ، بالضم، الأَنْوَكُ العاجز الجاهل الأحمق. (لسان العرب)
(7) السليك: شاعر، قُتل من أجل مضاجعة إمرأة متزوجة، والخبر لدى ابن منظور كالتالي: أَن السُّلَيْكَ خرج في تَيْمِ الرِّباب يتبع الأَرياف فلقي في طريقه رجلًا من خَثْعَمٍ يقال له مالك بن عمير فأَخذه ومعه امرأَة من خَفاجَة يقال لها نَوَارُ، فقال الخَثْعَمِيُّ: أَنا أَفدي نفسي منك، فقال له السليك: ذلك لك على أَن لا تَخِيسَ بعهدي ولا تطلع عليّ أَحدًا من خثعم، فأَعطاه ذلك وخرج إِلى قومه وخلف السليك على امرأَته فنكحها، وجعلت تقول له: احذر خثعم فقال: وما خَثْعَمٌ إِلاَّ لِئامٌ أَذِلَّةٌ، إِلى الذُّلِّ والإِسْخاف تُنْمى وتَنْتَمي فبلغ الخبرُ أَنسَ بن مُدْرِكَةَ الخثعمي وشبْلَ بن قِلادَةَ فحالفا الخَثْعَمِيَّ زوجَ المرأَة ولم يعلم السليك حتى طرقاه، فقال أَنس لشبل: إِن شِئت كفيتك القوم وتكفيني الرجل، فقال: لا بل اكفني الرجل وأَكفيك القوم، فشدَّ أَنس على السليك فقتله وشدَّ شبل وأَصحابه على من كان معه. (لسان العرب، مادة:"ثور")
(8) البرّاض: شخصيّة من فترة ما قبل الإسلام، وهو البَرّاضُ بن قيس: هاجت به حربُ عُكاظ، وقيل: هو أَحد فُتّاك العرب من بني كنانة، وبِفَتْكِه قامت حربُ الفِجَار بين بني كنانة وقيس عيلان، لأَنه قتل عُرْوة الرحال القيسي. (لسان العرب، مادة:"برض")
(9) الأزارقة: فرقة من فرق الخوارج، سُمّيت باسم زعيمها نافع بن الأزرق. ظهرت بعد أن فارق الخوارج عبد الله بن الزبير الذين كانوا قدموا عليه مكة، فقاتلوا معه جيوش الشام، ولما مات يزيد بن معاوية، وجد الخوارج أن عبد الله بن الزبير يختلف معهم في الرأي فانفضوا عنه، وتوجهوا إلى البصرة حيث انشقّ جمعهم إلى عدة فرق أخرى مثل النجدات والأباضية والصفارية.