شق الصفّ، وقد خضّب الكفّ بعد أن كاد يصيب البرىَّ [1] بطعنه، ويبوءُ بمقت الله ولعنته:
طعنت ابن عبد الله طعنة ثائر ... • ... لها نفذ لولا الشعاع أضاءها
وهناك هدأ القتال، وسكن الخبال، ووقع المتوقع فاستراح البال، وتشوّف إلى مذهب الثنوية، [2] من لم يكن للتوحيد بمبال، وكثر السؤال عن البال بما بال، وجعل الجريح يقول وقد نظر إلى دمه يسيل على قدمه:
أني له عن دمي المسفوك معتذر ... • ... أقول حملته في سفكه تعبا
ومن سنان [3] عاد عنانا، [4] وشجاع صار هدّانا جبانًا، كلما شابته شائبة ريبة، أدخل يده في جيبه، فانجحرت الحيّة، وماتت الغريزة الحيّة، وهناك يزيغ البصر ويخذل المنتصر ويسلّم الأسر ويغلب الحصر ويجفّ اللباب ويظهر العاب [5] ويخفق الفؤاد ويكبو الجواد ويسيل العرق ويشتدّ الكَرَبُ والأرق، وينشأ في محلّ الأمن الفرق، ويدرك فرعون الغرق. ويقوى اللجاج ويعظم الخرق. فلا تزيد الحال إلاّ شدّة، ولا تعرف تلك الجارحة المؤمنة إلاّ ردّة:
(1) البرىَّ: مادة"برأ"، والاستِبراءُ: أَن يَشْتَرِيَ الرَّجلُ جارِيةً، فلا يَطَؤُها حتى تَحِيضَ عنده حَيْضةً ثم تَطْهُرَ؛ وكذلك إِذا سبَاها لم يَطَأْها حتى يَسْتَبْرِئَها بِحَيْضَةٍ، ومعناهُ: طَلَبُ بَراءَتها من الحَمْل. البَرِيءُ: المُتَفصِّي من القَبائح، المُتنَجِّي عن الباطل والكَذِبِ، البعِيدُ مِن التُّهم، النَّقِيُّ القَلْبِ من الشِّرك. والبَرِيءُ الصحِيحُ الجِسمِ والعقل. (لسان العرب)
(2) الثنويّة: هي النظرة الفلسفية التي ترى أن هناك وجود لمصطلحين أساسيين، غالبا ما يكونا متعاكسين، مثل الخير والشر، النور والظلام، الذكر والأنثى. و الثنوية هم الذين يقولون بأصلين للوجود، مختلفين تمام الاختلاف، كل منهما له وجود مستقل في ذاته، ودون هذين الأصلين لا يمكن فهم طبيعة الكون، الذي تتصارع فيه القوى المتضاربة، مما يعنى أن حقيقة الوجود تنطوى على انقسام داخلى وتقابل ضرورى دائم بين أصلين، لكل منهما قوانينه وأطواره الزمنية الخاصة به. وقد مثلت الثيولوجية المنبثقة عن المسيحية في العصور الوسطى مذهب الثنوية في نظرتها إلى الحياة البشرية على أنها صراع دائم بين الروح والبدن، وهو صراع ينتج عنه تحديد مصير النفس بعد الموت في الجنة أو في النار، فإن انتصر البدن في ذلك الصراع فالمصير إلى النار، وإن انتصرت الروح فالمصير إلى الجنة، ولذلك اشتدوا في معاملة الجسد وحرموه من كل لذة وراحة، لفتح أبواب الملكوت التي لا تفتح إلا للفقراء الزاهدين. (أنظر كتاب: فراس السواح، الرحمان والشيطان، الثنوية الكونية ولاهوت التاريخ في الديانات المشرقيّة، دار علاء الدين، دمشق، 2000، 314 ص.)
(3) سنان: مادة"سنن"، سِنانُ الرُّمْح: حديدته لصَقالتها ومَلاستها ويقال: يَعْمَلُ الأَسِنَّةَ، والسِّنانُ، من يَسُنُّ وهو القُوَّة. (لسان العرب)
(4) عنانا: مادة"عنن"، عِنانُ اللجام، عِنانًا لاعتراض سَيْرَيه على صَفْحَتيْ عُنق الدابة، يقال ذَلَّ عِنانُ فلان إذا انقاد. (لسان العرب)
(5) العاب: مادة"عيب": العَابُ والعَيْبُ والعَيْبَةُ: الوَصْمة، والجمع: أَعْيابٌ وعُيُوبٌ. (لسان العرب)