وقايل:
بنفسي من حييته فاستخفّ بي ... • ... ولم يخطر الهجران منه على بال
وقابلني بالهزء والنجة [1] بعدما ... • ... حططت به رجلي وجردت سريالي
وما ارتجى من موسر فوق دكّة ... • ... عرضت له شيئًا من الحشف البالي
علل لا تزال تبكي، وعلل على الدهر تشكي، وأحاديث تقصّ وتحكى. فإن كنت أعزّك الله من النمط الأول، ولم تُقِل، وهل عند رسم دارس من معول، فقد جنيت الثمر، واستطبت السمر، فاستدع الأبواق من أقصى المدينة وأخرج على قومك في ثياب الزينة، واستبشر بالوفود، وعرّف السمع عارفة الجود، وتبجّح بصلابة العود وإنجاز الوعود، واجن رمّان النهود، من أغصان القدود، واقطف ببنان اللثم أقاح الثغور وورد الخدود.
وإن كانت الأخرى، فاخفِ الكمدَ، وأرض الثمدَ، وانتظر الأمدَ، واكذب التوسّم، واستعمل التبسّم، واستكتم النسوة، وأفض فيهن الرشوة، وتقلّد المغالطة وارتكب، وجئ على قميصك بدم كذب، واستنجد الرحمن واستعن على أمورك بالكتمان.
لا تظهرن لعاذل أو عاذر ... • ... حاليك في السراء والضراء
فلرحمة المتفجعين حرارة ... • ... في القلب مثل شماتة الأعداء
وانتشق الأرج وارتقب الفرج. فكم غمام طبّق وما همّي، وما رميت إذ رميت، ولكن الله رمى، وأملك بعدها عنان نفسك، حتى تمكنك الفرصة، وترفع إليك القصّة، ولا تشتره إلى عمل لا تفئ منه بتمام، وخذْ عن إمام ولله درّ عروة بن حزام [2] :
الله يعلم ما تركت قتالهم ... • ... حتى رموا مهري بأشقر مزبد
وعلمت أني إن أقاتل دونهم ... • ... أقتل ولم يضرر عدوي مشهدي
ففرت منهم والأحبّة فيهم ... • ... طمعها لهم بعقاب يوم مفسد
واللبانات تلين وتجمح، والمآرب تدنو وتنزح وتحرن، ثم تسمح، وكم من شجاع خام، ويقظ نام، ودليل أخطأ الطريق وأضلّ الفريق، والله عز وجل يجعلها خِلّة موصولة وشملًا أكنافه بالخير مشمولة، وبنية أركانها لركاب اليمن مأمولة، حتى يكثر خدم سيدي وجواريه، وأسرته وسراريه، وتضفو عليه نعمة باريه، ما طورد قنيص
(1) النجة: مادة"نجج": نَجَّتِ القُرْحَةُ تَنِجُّ، بالكسر، نَجًّا ونَجِيجًا: رَشَحَت؛ وقيل: سالَتْ بما فيها. ونَجْنَجَ في رأْيه وتَنَجْنَجَ: اضطرَبَ. وأُذُنٌ نَجَّةٌ: رافِضةٌ بما لا يُوَافِقُها من الحديث. (لسان العرب) .
(2) عروة بن حزام: (ت:30 هـ / 650 م) عروة بن حزام بن مهاجر الضني، من بني عذرة. شاعر، من متيّمي العرب، كان يحب ابنة عم له اسمها (عفراء) نشأ معها في بيت واحد، لأن أباه خلفه صغيرًا، فكفله عمه. ولما كبر خطبها عروة، فطلبت أمها مهرًا لا قدرة له عليه فرحل إلى اليمن، وعاد فإذا هي قد تزوجت بأموي من أهل البلقاء (بالشام) فلحق بها، فأكرمه زوجها. فأقام أيامًا وودعها وانصرف، ومات قبل بلوغ حيّه ودفن في وادي القرى (قرب المدينة) .