واقتحم عيص [1] ، وأدرك مرام عويص وأعطي زاهد وحرم حريص. والسلام.
تواليفه [2] : شرح القصيدة المسماة بالبردة شرحًا بديعًا دل فيه على انفساح ذرعه وتفنن إدراكه وغزارة حفظه، ولخص كثيرًا من كتب ابن رشد. [3] وعلّق للسلطان أيام نظره في العلوم العقلية تقييداُ مفيدًا في المنطق. ولخّص مُحصّل [4] الإمام فخر الدين بن الخطيب الرازي. [5] وبذلك داعبته أول لقيته ببعض منازل الأشراف في سبيل المبرّة [6] بمدينة فاس، فقلت له: لي عليك مطالبة فإنك لخّصت محصّلي. وألف كتابًا في الحساب. وشرع في هذه الأيام في شرح الرجز الصادر عني في أصول الفقه بشيء لا غاية وراءه في الكمال. وأما نثره وسلطانياته مرسلها ومسجعها فخلج [7] بلاغة، ورياض فنون ومعادن إبداع يفرغ عنها يراعه الجريء، شبيهة البداءات بالخواتم في نداوة الحروف وقرب العهد بجرية المداد ونفوذ أمر القريحة واسترسال الطبع.
وأما نظمه، فنهض لهذا العهد قدمًا في ميدان الشعر. [8]
وأغرى نقده باعتبار أساليبه، فانثال عليه جوّه وهان عليه صعبه فأتى منه بكل غريبة، من ذلك قوله
(1) عيص: مادة"أشب": والعِيصُ: أَصل الشجر. وقولهم: عيصُكَ مِنْكَ، وإِنْ كانَ أَشِبًا أَي وإِن كان ذا شَوْكٍ مُشْتَبِكٍ غَيْرِ سَهْلٍ. (لسان العرب)
(2) يفيدنا ابن الخطيب بمجموعة من مؤلّفات ابن خلدون التي لم يذكرها صاحب العبر، وللأسف الشديد أن لا أحد من الباحثين قد عثر عن إحدى هذه التآليف، ولنا أن نتساءل عن مصيرها وإن كان في الإمكان العثور عليها. ورغم ما في"المقدّمة"من دلائل على موسوعيّة ابن خلدون، فإن هذه التآليف تثبت تنوّع المعارف التي كان يتحكّم فيها.
(3) ابن رشد: (595 ھ/ 1198 م) القاضي أبو الوليد محمد القرطبي.
(4) لباب المحصّل في أصول الدين، دار المشرق، بيروت، 1995، ط 1، تحقيق وتقديم رفيق العجم، ص 135.
(5) الرازي: (ت: 606 هـ / 1210 م) هو أبو عبد الله محمد بن عمر الرازي الطبرستاني الشافعي المعروف بالفخر الرازي وبابن خطيب الري، مفسّر ومؤرّخ. عالم بعلم الكلام والمعقولات وعلوم الأوائل. له إلمام بصناعة الطب ومباحثها، عارف بالأدب، له شعر بالفارسية والعربية، كانت له منزلة رفيعة عند سلاطين خوارزم. ترجم له العديد. أنظر: ابن أبي أصيبعة، عيون الأنباء في طبقات الأطباء، ضبطه وصحّحه محمد باسل عيون السود، بيروت، دار الكتب العلميّة، ط 1، 1998، ص 424 - 432.
(6) المبرّة: مادة"برر:"البِرُّ: الصِّدْقُ والطاعةُ، والبِرُّ: ضِدُّ العُقُوقُ، والمَبَرَّةُ مثله. وبَرِرْتُ والدي، بالكسر، أَبَرُّهُ بِرًّا. (لسان العرب.)
(7) مادة"خلج": الخَلْجُ: الجَذْبُ. خَلَجَهُ يَخْلِجُه خَلْجًا، وتَخَلَّجَهُ، واخْتَلَجَهُ إِذا جَبَذَهُ وانْتَزَعَهُ. وخَلَجَني كذا أَي شغلني. يقال: خَلَجَتْه أُمورُ الدنيا وتَخَالَجَتْه الهموم: نازعته. (لسان العرب.)
(8) يشير ابن الخطيب هنا إلى تحكّم ابن خلدون في نظم الشعر رغم تعبير صاحب العبر عن عدم اهتمامه بهذا الصنف من الكتابة الأدبيّة. فنجده يتواضع أحيانا في تقييم امكانياته الشعريّة قائلا: «ثم أخذت نفسي بالشعر، انثال علي منه بحور، توسطت بين الإجادة والقصور ... فإني كنت قد أهملت الشعر وانتحاله جملة، وتفرّغت للعلم فقط.» (العبر، 7/ 541 و 640)