ولكن محاضرته إليها المنتهى، وهي أمتع من محاضرة الشيخ شمس الدين الغماري. [1]
ولما دخل الديار المصرية تلقاه أهلها وأكرموه، وأكثروا ملازمته والتردد إِلَيْهِ. فلما وُلِّيَ المنصب تنكَّر لهم، وفَتَكَ فِي كثير من أعيان الموقعين والشهود. وقيل إن أهل المغرب لما بلغهم أنه ولي القضاء، عجبوا من ذلك، ونسبوا المصريين إِلَى قلة المعرفة، حَتَّى أن ابن عرفة [2] قال لما قدم إِلَى الحج: كنا نَعُدُّ خطّة القضاء أعظم المناصب. فلما بلغنا أن ابن خلدون وُلِّي القضاء، عددناها بالضدّ من ذَلِكَ.
ولما دخل القضاة للسلام عَلَيْهِ، لَمْ يَقُم لأحدٍ منهم، واعتذر لمن عاتَبه عَلَى ذَلِكَ. وباشَر ابن خلدون بطريقة لَمْ يألفها أهل مصر، حَتَّى حصل بينه وبين الركراكي تنافس، فعقد لَهُ مجلس، فأظهر ابن خلدون فتوى زعم أنها خطّ الركراكي، وهي تتضمن الحطّ عَلَى برقوق. فتنصّل الركراكي من ذَلِكَ، وتوسّل بمن اطلع عَلَى الورقة فوجدت مدلّسة. فلما تحقّق برقوق ذَلِكَ عزله، وأعاد ابنَ خير. وذلك فِي جمادى الأولى سنة سبع وثمانين. فكانت ولايته الأولى دون سنتين. واستمرّ معزولًا ثلاثَ عشرة سنة وثلاثة أشهر، وحج فِي سنة تسع وثمانين. ولازَمه كثير من الناس فِي هَذِهِ العطلة وحَسَّنَ خُلقه فِيهَا، ومازح الناس، وباسَطَهم، وتردد إِلَى الأكابر وتواضَع معهم. ومع ذَلِكَ لَمْ يغيّر زيّه المغربي وَلَمْ يلبس زيّ قضاة هَذِهِ البلاد. وَكَانَ يحبّ المخالفة فِي كل شيء. ولما مات
(1) شمس الدين الغماري: (ت: 802ھ/ 1399 م) قاضي مالكي. وهو من شيوخ العسقلاني. محمد بن محمد بن علي بن عبد الرزاق الغماري ثم المصري المالكي شمس الدين. أخذ العربية عن ابي حيان وغيره، وسمع الكثير من مشايخ مكة كاليافعي والفقيه خليل، وسمع بالإسكندرية من النويري وابن طرخان وحدث بالكثير، وكان عارفا باللغة والعربية، كثير المحفوظ للشعر لا سيما الشواهد، قوي المشاركة في فنون الأدب، تخرج به الفضلاء، وقد حدثنا بالبردة بسماعه من أبي حيان عن ناظمها، وأجاز لي غير مرة عاش اثنتين وثمانين سنة .. [إنباء الغمر بأبناء العمر، مج 2 4/ 179 - 181.]
(2) ابن عرفة: أبو عبد الله محمد الورغمّي (ت: 803ھ / 1401 م) ، ترجم له العديد، أنظر خاصّة السرّاج، الحلل السندسية في الأخبار التونسية، دار الغرب الإسلامي، بيروت، 1985، تحقيق وتقديم محمد الحبيب الهيلة، مج 1، ص 561 - 577. وتوشيح الديباج للقرافي، ترجمة عدد 277، ص 251 - 255. والزركشي في تاريخ الدولتين: الموحدية والحفصية، تحقيق وتقديم الحسين اليعقوبي، المكتبة العتيقة، تونس، ط 1، 1998، ص 193 و 218 و 229 و 242 - 245. وأنظر كذلك ابن فرحون، الديباج المذهّب في معرفة أعيان علماء المذهب، دراسة وتحقيق مأمون الجنّان، بيروت، دار الكتب العلميّة، 1996، ترجمة عدد 585، ص 419 حيث يقول ابن فرحون: « ... ولما زار المدينة النبويّة ... نزل عندي في البيت ... » .