فهرس الكتاب

الصفحة 4 من 114

يصل إليه أي فكر في أيّ زمن كان وفي أيّ بلد كان» وبين عبد الله العروي الذي ينفي ذلك كلّيّا فيقول: «لا يمكننا اعتبار مؤلّف ابن خلدون كتاريخ مُعقلن بل هو مجرّد رؤيا للتاريخ تولّدت من شكل مطلق لفترة تاريخية محدّدة ... ولا يمكننا استعماله إلاّ كمؤشّر لأزمة عامة، وبالتالي لا يجب تقديمه كشرح للتاريخ أو اقتراحه كحلٍّ» [1] ثم يذهب العروي أكثر من ذلك فيقول في كتابه"مفهوم التاريخ": «إن مقدّمته لا تنفع المؤرّخ المحترف، قرأها ابن حجر فلم يستفد منها، وما كان له أن يستفيد، بل كتبها ابن خلدون وما استفاد منها في كتابة تاريخه. ما هو مؤلم ومزعج ليس أن المقدّمة لم تغيّر وجهة المؤرّخين، ذلك منتظر، بل كونها لم تغيّر الذهنيّة العموميّة.» [2] لكنه يتدارك أحكامه هذه بعد عدّة سنوات من كتابتها، فيقول في كتابه"مفهوم العقل"الذي خصّص نصفه لتحليل العقل لدى ابن خلدون: «تبدو أصالة ابن خلدون في تبويب المقدّمة ... فصاحبها مجتهد حقّا لا يتقيّد بأي مدرسة كلاميّة أو فقهيّة ... ويصحّ القول أن ابن خلدون نجح واهتدى إلى نظريّة شاملة منسّقة لم يشذّ عن قواعدها إلاّ أحكام قليلة ... » [3]

بين هذا وذاك، مسافات من الآراء والأفكار، عبّر عنها أصحابها، فتتراوح بين التمجيد والتقديس من ناحية والانتقاد والتقليص من أهميته من ناحية أخرى. مع الإشارة إلى أن أغلب هذه الآراء تنحو المنحى الأوّل. وكمثال على الخطاب المستغَلِّ ببشاعة للتراث الإسلامي ولفكر ابن خلدون، ما وجدناه في العشرات من الكتب والمقالات التي كتبت حوله حتّى داخل الأطر الأكاديميّة دون مراعاة لأدنى خصائص البحث العلمي الموضوعي والنزيه، والتي من شأنها أن توجّه القارئ نحو مغالطات تاريخية لا تُغتفر. فـ «الإطار العلموي الحديث في العالم العربي، لازال يرى في كتابة التاريخ ممارسة سرمديّة لا تربطنا بالعصر» [4] «وما زال الماضي الزاخر المهيمن هو الذي يستبدّ بأعمال وأيّام مؤرّخينا، وما زالت السيادة لطمأنينة المهنة وعاداتها ولمعالجات الموضوعات التقليديّة

(2) العروي عبد الله، مفهوم التاريخ، بيروت، المركز الثقافي العربي، 1992، ج 1، الألفاظ والمذاهب، ص 28 - 29.

(3) العروي عبد الله، مفهوم العقل، بيروت، المركز الثقافي العربي، 1997، ص 173 و 217.

(4) عزيز العظمة، الكتابة التاريخية والمعرفة التاريخية، بيروت، دار الطليعة، 1983، ص 8.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت