فهرس الكتاب

الصفحة 5 من 114

و"المستقيمة"سياسيّا.» [1]

لقد أجمع كل من درس حياة وفكر ابن خلدون أن صاحب العبر قد تم اكتشافه في العصور الحديثة من قبل المستشرقين وهم الذين استفادوا بمؤلفاته قبل مفكّري العالم الإسلامي بعدّة عقود من الزمن. ورغم النوايا السيئة والاستعمالات الاستعمارية التي سلكها البعض من منظري ومبرّري الاستعمار الأوروبي واستغلالهم لكتابات ابن خلدون وتأويلها وتوجيهها في الوجهة التي يبتغونها، فإن الزمن كان كفيلا بتجاوز هذا"المنهج"الشاذ، فرميت كتاباتهم في سلة التاريخ بفضل مساهمات العديد من الباحثين ذوي الآفاق الرحبة، سواء الغربيين منهم أو العرب، وتمّ التنديد بمقاصدهم وبأهداف من نصّب نفسه يوما من أولياء الشعوب المستعمَرة.

لذلك فقد أصبح من الضروري أكثر من أي وقت مضى إعادة النظر والتحقيق في مكتسباتنا المعرفية للتأكّد من وضعية العقل والإدراك، من مقاصد الذهن، من مرجعيّات الكلمات والأفكار، من شواهد المفكرين والعلماء والحكماء والمؤرّخين، علّنا نجد لديهم إضافات تخصّب إرادة التحرّر من كل أنواع وأصناف الرّؤى الضيقة والمتقوقعة، المنغلقة الإقصائية المَبْنيّة على ذهنية عنجهيّة؛ إرادة متحرّرة تقرّب بين الشعوب التي لا ماهيّة لها سوى إنسانيتها، تدفع بالجميع نحو حياة أفضل، وتنساق في تناغم نحو الانسجام والبناء في إطار جدليّة تعتقد في الاختلاف والتنوّع كثراء فعلي للإنسانية، وليس ذلك الاختلاف الشكلي الذي وضع حدوده أهل الحلّ والعقد ويزعمون انه رحمة بعد أن رسموا مجالاته، «فالشعب الذي ينسى غممه ومآسيه ... محكوم عليه أن يعيشها من جديد» [2]

كي لا يظلّ ابن خلدون نموذجا للتأمّل والمحاكاة، عبقريّا لا تاريخيّا، أسطوريّا سبق زمانه، يصبح من الضروري إنزاله إلى الواقع التاريخي. وهذا لا يعني أننا ننادي للتقليص من حجمه ومن شأنه ومن أهميّة فكره الذي له الفضل في هذا الجدل القائم بعد ستة قرون من وفاته. لكن الجدل العقيم الذي لا يؤدّي في نهاية المطاف إلى استخلاص العبرة من الأخطاء، سيجعلنا محبوسين ضمن دائرة مفرغة لا طائل من ورائها إلاّ العبث بفكر الأجيال الحاضرة والقادمة التي سوف لن تستطيع التمييز بين الفكر الأسطوري والسياسي والإيديولوجي من ناحية، وبين الفكر التاريخي من ناحية أخرى. «والتاريخ إنما هو علم وضعي وأرضي يتناول فعاليّات الأفراد والمجتمعات البشريّة في الماضي، ويخرج عن دائرة الإيمان والمعتقد. فهو يطرح موضوعا ويتخذ مناهج خاصّة وقع ضبطها من قديم ويرنو إلى المفهوميّة، وبالتالي إلى العالميّة.» [3]

عندما تتبلور لنا تاريخيّة ابن خلدون، سيبدو لنا إنسانا مفكّرا بما في الكلمة من معنى. مفكّرا بنجاحاته

(1) حميش سالم، فلسفة الوجود والجدوى: نقد ثقافة الحَجْر وبداوة الفكر، الدار البيضاء/بيروت، المركز الثقافي العربي، 2004، ص 164.

(2) م. ن، ص 219.

(3) جعيّط هشام، في السيرة النبويّة: تاريخيّة الدعوة المحمّديّة في مكّة، بيروت، دار الطليعة، ط 1، 2007،، ص 5.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت