فهرس الكتاب

الصفحة 6 من 114

وإخفاقاته، بتصوّراته ورؤاه، بمحاولاته الإيجابيّة والسلبيّة. فالواجب يدفع بالباحث المعاصر إلى تفكيك خطابه للكشف عن إستراتيجيته الواعية أو الضمنيّة التي سعى من خلالها إلى التغطية عن بعض الأبعاد التاريخيّة التي لم تلائم طريقة تفكيره أو إعتقَدَ أنها لا تنسجم مع الذهنيّة المهيمنة في عصره. «وإذا كان للجنس البشري تاريخ فإنه ذلك الذي ينتجه الرجال والنساء، والذي يمكن فهمه تاريخيّا في كل فترة وحقبة وبرهة، والذي يمتلك وحدة مركّبة ولكنها منسجمة.» [1]

هل يمكن للباحث أن يكتفيَ بما كتب ابن خلدون في التعريف؟ هل يمكن للمنهجيّة التاريخيّة المعاصرة الاكتفاء بكتابات ابن خلدون؟ أليس من الواجب علينا اعتماد قراءات موازية للخروج من دائرة التبجيل والتقديس والأسطرة والإحتفاء؟ وتكريس منهجيّة تفكيكيّة تبحث في عمق الموروث الثقافي.

يقول أحد المسترقين [2] : «وضع ابن خلدون ترجمة حياته فخلّف لنا المصدر الأهم الذي لا غنى عنه لفهم شخصيّته وعمله. ومجرّد أن يرى ابن خلدون انه من الأهميّة بمكان أن يضع كتابا يروي فيه أحداث حياته، قد يدلّ على أن الرجل كان يدرك، لا أهميّة اختباراته الفريدة فحسب، بل الصلة الوثيقة بين قصّة حياته وبين مآتيه الفكريّة وفلسفته وفضله على علم الاجتماع ... حينما قرّر (ابن خلدون) أن يترك هذا الذخر (التعريف) للأجيال التي تأتي بعده، كان يدرك أن اختباراته الفذّة في حياته المليئة بالصور والعبر تستحقّ التدوين.» [3]

لكن المستشرق المذكور قد أكّد أيضا منذ سنة 1951 على أهميّة مسار حياة صاحب العبر فيما يتعلّق بأصول آرائه وتكوينها، وهذه الآراء لا يمكن الوصول إلى منابعها إلاّ إذا تمّ التعرّف على كل الدّوافع والأسباب والإمكانيّات التي أثّرت في فكر ابن خلون، فيقول في هذا الصدد: «ما لا شكّ فيه أن أكثر من محاولة واحدة قد بُذِلت للتعرّف إلى أسلاف ابن خلدون عن طريق تحليل المصادر الأدبيّة التي أفاد منها في بحوثه والتي قد يكون

(1) إدوارد سعيد، تعليقات على الاستشراق، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، 1996، ص 49.

(2) والتر جوزيف فيشل: Fischel, Walter Joseph (1902 - 1973) متخصّص في الدّراسات الشرقية اليهودية والحضارة الإسلامية. قام بتحقيق الفصول الثلاثة الأخيرة من مخطوط كتاب"التعريف بابن خلدون ورحلته غربا وشرقا". صدر التحقيق سنة 1952 بعد صدور نسخة الطنجي والتي سبقته بسنة واحدة (1951) . صدر تحقيق فيشل باللغة الأنجليزيّة تحت عنوان:

وقد تمّ تعريب هذا الكتاب ونشره ببيروت خلال نفس السنة تحت عنوان: لقاء ابن خلدون بتيمورلنك.

(3) فيشل والتر جوزيف، نشاط ابن خلدون في مصر المملوكيّة، (1382 - 1406) ، دراسات إسلاميّة، دار الأندلس، بيروت، 1960، ص 179 و 197.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت