اقتبس منها آراءه التاريخيّة والفلسفيّة والاجتماعيّة، ومع ذلك فقد بدا جليّا أن مثل هذه الدراسات لا يمكنها أن توصلنا إلى جواب شافٍ ... وإنني أجرؤ فأقرّر بأن المصدر الأصيل والأساسي الذي استمدّ ابن خلدون آراءه منه، لم يكن هذه الكتب والمصادر على ما لها من الأهميّة من حيث أنها يسّرت له الوثائق والتمثيل لهذه الآراء، بل بالأحرى كان تجارب حياته الفريدة وتأمّلاته فيها.» [1] ويضيف هذا الباحث بالهامش رقم 10 من دراسته: «من الضروري أن يتعرّف المرء إلى تقلّبات حياة الرجل وأن يفهم دوافعه وحقيقته العلميّة.»
إن محاولتنا فهم تطوّر فكر ابن خلدون تقتضي عدم إهمال أيّ حدث وأيّة واقعة، فغنى تجربته السياسية والإنسانية التي خطّها بيده تكشف عن تطوّره الذاتي ولا يجوز غضّ النظر عن أسبابها وأبعادها مهما كان البعض من عناصرها يبدو ضئيلا. فلو لم يواجه ابن خلدون العديد من الإشكاليّات والقضايا الفكريّة والسياسيّة في آن واحد، لما استطاع كتابة العبر بطريقة غير مألوفة بالنسبة لعصره، ولاسيما الكتاب الأوّل. فالذي سيمكّننا من معرفة صاحب العبر وفكره، ليس ما كتب هو عن نفسه فحسب، بل ما كتب عنه معاصروه وتلامذته وخصومه، ومقارنة المعطيات ببعضها لاستجلاء حقيقة ذهنيّته من خلال سلوكيّاته وتصرّفاته، ومن خلال القرارات التي اتخذها وكان لها الدور الأهمّ في حياته وبالتّالي في إنتاجه الفكري. فاستعراض الأحداث الذاتيّة والشخصيّة التي تعرّض لها ابن خلدون وفهم الوقائع والمسؤوليّات التي تحمّلها أو شارك فيها؛ من شأنها أن تساعدنا على تتبّع مراحل حياته الفكريّة والوجدانيّة، واستنتاج المؤثّرات التي جعلته يفكّر بهذه الطريقة أو تلك.
لكن أكثر من نصف قرن قد ولّى على ملاحظات"والتر جوزيف فيشل"هذه ولا أحد من الباحثين حاول النظر بجديّة في حياة ابن خلدون الإنسان، ولا حتّى في مصادره الأدبيّة والتاريخيّة والفلسفيّة. فكل ما هنالك بعض المقالات الجانبيّة غير الشاملة التي تنظر في فترة من فترات حياة المفكّر ولا سيما لقائه التاريخي بتيمورلنك، أو في علاقته الفكريّة بمن سبقه من رجال الفكر. وأهم هذه الدراسات ما قام به"فيشل"نفسه من خلال كتابه"لقاء ابن خلدون بتيمورلنك"الذي يمسح فترة قصيرة جدا من حياة صاحب العبر. ورغم أهميتها المطلقة، فهي تظل غير كافية لاستجلاء دور هذه التقلّبات وتأثيرها في تكوينه الفكري وفي مواقفه الاجتماعيّة والإنسانية عموما.
لذلك رأيت من الضروري جمع وتقديم كل القراءات الموازية في ترجمة ابن خلدون، عّلها تساعد الباحث على استرجاع مساره، محاولا توضيح بعض المعطيات التاريخيّة لمفكّرنا والتي تمّ التسليم بها فلم يقع الإلمام بكل جوانبها، إمّا عن عدم اطّلاع بحيثيّاتها، أو من أجل إضفاء نوع من القدسيّة على إنسانيّة ابن خلدون فيتمّ غضّ
(1) المرجع نفسه، ص 178 والهامش رقم 10 ص 199. وتجدر الإشارة إلى أن هذا المقال كتبه صاحبه باللغة الأنجليزية سنة 1951 وصدر بالمجلد عدد 11 من مجلة Semetic and Oriental Studies من منشورات جامعة كاليفورنيا في فقه اللغات الساميّة، بركلي. FISCHEL, Walter Joseph,"Ibn Khaldun's Activities in Mamluk Egypt (1382 - 1406) ", in: Semitic and Oriental Studies Presented to William Popper, Berkeley / LosAngeles, 1951, pp 102 - 124.