أقدامه فمات من ذلك معظمهم في ثلاث ليال، ففرّ ابن البنس بمن بقي معه إلى أبيه، وعدّ المسلمون هذه الكائنة من معجزات رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فإنه لو تمكّن هؤلاء من العدوة ما تركوا فيها للإسلام اسما، وربُّكَ على شيء قدير. وعندما سار ابن البنس تحرّك القمط على أخيه فلم يطق محاربته لعجزه عن مقاويته، وراسله في الصلح فأجابه مخادعة، وسار إليه ألفنس ليعقد عقد الصّلح، فعندما تلاقيا ابتدأ القمط يسبّ ألفنش ولم يكن مع أحد منهما سلاحا، فتقدّم مولٌى من غلمان القمط إليه وناوله سكّينا بقر بها بطن ألفنش، فقام عنه وثار القمط فأجهز عليه، وملك بعدُ، وأمر بالغلام الذي أعطاه السكين فشُنِقَ، لأن العادة عندهم أن من قتل ملكا أو أعان على قتله يُقْتل، ولولا أنه دفع السكّين لما أمكن قتل ألفنش.
أخبرنا أبو زيد أن العنوان المعتبر في صحّة الأنساب أن يُجعل لكلّ مئة سنة ثلاثة أشخاص، فإن جهلت السنين فاجعل لكلّ ثلاثة أشخاص مئة سنة، وإن جهلت الأشخاص فاجعل لكل مئة سنة ثلاثة أشخاص.
أخبرنا أبو زيد أنه ما برِحَ يستبعد ما نُقِل عن الأمين محمد بن هارون الرشيد أنه ضرب الأسد بمرفقه فقتله، فإن القوّة الإنسانيّة لا تبلغ هذا، حتى قال له يعقوب بن علي أمير رياح وشيخها ببلاد المغرب: إن الأسد له مقتلان مهما أصابهما مات منه لوقته، وهما مكان بين عينيه لو رماه صبيّ بحصاة فيه لهلك للحين، والآخر على رأس أضلاعه فإنه لو نُخِس هناك بمسال لهلك سريعا. قال: وكان يعقوب هذا صاحب تجارب كثيرة ومعرفة تامة.
حدّثنا أبو زيد، قال: أخبرني الأمير جمال الدين محمود بن علي أستدار الملك الظاهر برقوق، أنه لما قُبِضَ عليه في سنة إحدى وتسعين وسبع مئة عندما زالت دولة الظاهر، حَمَل إلى الأمير يلبغا الناصري، وإلى الأمير منطاش، [1] ستين قنطارا من الذهب المختوم المِصري، منها في ليلة واحدة ثمانية عشر قنطارا، وكانت مدة استيلاء هذين الأميرين على المملكة نحو خمسة أشهر.
حدّثنا أبو زيد أن في حدود سنة أربعين وسبع مئة، دخل السلطان أبو الحسن المريني إلى سبتة فاجتاز به قوم من الفرنج الجنويّة في غُرابين بالبحر وأخبروه أنهم خرجوا من جَنَوَة، وقد أعدّوا زاد سنتين وساروا في البحر يريدون الإحاطة بمعرفة ما فيه، ودور ما أحاط بالمعمور، فمرّوا فيه بالجزائر الخالدات، [2] وإذا أهلها عُراة لا يعرفون من الثياب ما يعرفه الناس، وإنما يُوارون عورتهم بشيء تافه، وعندما نزلوا إلى هذه الجزيرة خرج أهلها إليهم ليدفعوهم عنها، فلم يطيقوا السهام وفرّوا عنهم، فملكوا الجزيرة واعتبروا ما فيها من المال، فلم يجدوا بها من الحيوان إلا المعز فقط، وهم يحرثون الأرض بقرون المعز، ويزرعون الشعير وليس لهم قوت غيره، ولا يعرفون السّلاح وإنما يرمون بالحجر فيستدبر الرجل منهم خصمه ثم يحذفه بالحجر، وإذا ظهرت الشمس من أفق المشرق
(1) منطاش: أمير من المماليك يدعى سيف الدين تمّربغا الأفضلي الأشرفي أشتهر باسم منطاش كان نائب السلطنة بملطيّة قتل في صراعه عن السلطة مع السلطان برقوق. وأنظر بدائع الزهور، 1/ 341 - 354، أحداث سنة 791 (1389 م) .
(2) الجزائر الخالدات: وهي مجموعة جزر الكناري التابعة حاليّا لإسبانيا.