خرّوا لها ساجدين، وأنهم لم يجدوا عندهم مالا ولا ثيابا. فاستقوا من مائهم، وأسروا منهم، وساروا عنهم، فلم يزالوا في البحر حتى كاد مائهم ينفذ، وفقدوا منهلا يَرِدوه، فخافوا الهلاك، وعادوا إلى أقرب ما خلفوه من المياه فاستقوا منه ورجعوا، وأنهم كانوا لا يفارقون البرّ إلاّ بمقدار ما يمكنهم العود إليه. قال: فسألهم السلطان أبو سالم [1] عن ذلك بنفر ممن أسروه من الجزائر، فقدّموا له رجلين جعلهما مع خُدّامه حتى عرفا اللسان العربي، وصاروا يحدّثان عن حالهم بأمور، وذكر (أن) أهل الجزائر لم يبلغهم قطّ خبر دعوة الإسلام، ولا سمعوا له ذكرا. فلمّا مات أبو سالم [2] وقام من بعد إبنه أبو عنان، تاقت نفسه إلى أخذ الجزائر الخالدات فجهّز قائد الأسطول بناحية أزمّور في غُراب مشحون بالأزودة والرجال، فغاب في البحر شهرين وعاد من غير أن يعرف لها خبرا. [3]
قال أبو زيد: فأخبر هذا القائد السلطان أبا عنان بحضوري أنه سار في البحر حتى شاهد البخار وقد انعقد على الماء فصارت المركب كأنّما تخرق في شجم [4] ، فضاقت أنفسهم لانعقاد البخار وكادوا يهلكون فلذلك رجعوا. وأخبروا عن عجائب شاهدها في البحر، وأقام مدة، فاتفق أنه حكى للسلطان في بعض الأيّام أخبار ما وقف عليه في مدّة غيبته في البحر إلى أن قال: ومرّ بنا طائر أخضر، فغضب السلطان وقال: ويلك وهنالك كانت الجزائر، فإن الطير لا يكون إلاّ حيث الماء والمرعى وهما في الجزائر، فتلكّأ في الجواب، فأمر به فجُرِّد من ثيابه وضُرب زهاء خمس مئة سوط عقوبة له على تقصيره في الطّلب.
حدّثنا أبو زيد، قال: جزت ببلد المريّة عام خمسة وستين وسبع مئة فسمعت أهلها يذكرون أن عندهم واديا فيه نوع من الطير فوق الجبل، إذا وقف أحد تحته وقال: كم أعيش من العمر سنة؟ صاح عدّة أصوات بعدّة سني عمره، وأن ذلك لم يخط قطّ! فمضى غلام كان معي إلى ذلك الوادي، ثم جاء وذكر لي أنه لمّا سأل كم يكون عُمُري، صاح طائر تسعة وثلاثين صوتا ثم سكت، فسرنا عن المدينة وأقمنا ما شاء الله، إلى (أن) كنّا في بادية فاعترض بعض الأحياء قوم يريدون أخذهم، فنفر إليهم طائفة من أصحابي وفيهم ذلك الغلام فدافعهم عن الحيّ ساعة وهم يقاتلونهم، فأصاب الغلام مزراق [5] خرّ منه ميّتا، فحسبت عمره فكان تسعا وثلاثين سنة سواء. [6]
(1) لا يمكن أن يكون أبا سالم، بل السلطان أبو الحسن المريني، فبقيّة الرواية تكشف عن قيام أبي عنان بالحكم بعد مقتل والده.
(2) نفس الملاحظة أعلاه.
(3) تشير هذه الرواية إلى دلالة هامة تتمثّل في مدى التفاوت التقني والذهني بين عقليتي البحّارة بكل من الضفة الشماليّة والجنوبية للبحر المتوسّط.
(4) جشم: مادة"جشم": الشُّجُمُ الطِّوال الأَعْفارُ. الشَّجَمُ الهلاك. (لسان العرب) .
(5) مزراق: مادة"زرق": والمِزْراقُ من الرِّماح: رُمْحٌ قصير. وقد زَرَقَه بالمِزْراقِ زَرْقًا إِذا طعنَه أَو رماه به. (لسان العرب) .
(6) لا نعلم لماذا لم يقم ابن خلدون بإلقاء السؤال على هذا الطائر لمعرفة مدى طول عمره الشخصي!! وكيف كان بإمكانه تصديق مثل هذه الظواهر، لأن مجرّد روايته لها لتلامذته دليل على اعتقاده فيها. وعندما نفكّر في اعتقادات ابن خلدون هذه ونقارن موقفه بمواقف سابقة لبعض مفكّري القرنين الرابع والخامس هجري، ومماثلة لها من حيث الشكل والمضمون، فإنّنا نستنتج تردّي العقل إلى غياهب العصور الساحقة. وما هذه الحكاية التي رواها ابن خلدون لتلامذته إلاّ خرافة مسيحيّة قديمة تناقلتها وعدّلتها عديد الكتب الدينيّة وتبنّاها الفكر المسيحي خلال منتصف القرن الرابع ميلادي مع القديس أبيفانيوس (†403 م) أسقف جزيرة سلاميس (سلاميس باليونانية أو Salamine بالفرنسية، جزيرة تقع على الساحل الغربي لمنطقة الأتيك Attique.(فعند معالجتها لمسألة العقلانيّة في الفكر الإسلامي بالمجال الإيراني، تعرّضت الباحثة"أليس هنسبيرغر"إلى شخصيّة ناصر خسرو الذي عاش بخراسان في بداية القرن الخامس هجري(394 - 470 هـ / 1004 - 1077 م) ، فتقول عنه: «فعندما يخبره الأهالي المحليون خارج القدس الشريفة عن وادي جهنّم المجاور، شارحين أن سبب هذه التسمية يعود إلى أن من ينحني على حافته يمكنه سماع صراخ القابعين في جهنّم، يحاول ناصر القيام بذلك لنفسه. ويقول بأنه أطلّ على الوادي ولم يسمع شيئا.» [هنسبيرغر أليس سي، ناصر خسرو: ياقوتة بدخشان، دمشق، دار المدى، 2003، ص 77 - 78. وأنظر لنفس الباحثة،"ناصر خسرو: مفكّر فاطمي"، ورد في كتاب جماعي بعنوان: المناهج والأعراف العقلانيّة في الإسلام، تحقيق وتقديم فرهاد دفتري، ص 183 - 184.] وحول ناصر خسرو، أنظر: كراتشكو?سكي أ. ي.، تاريخ الأدب الجغرافي العربي، ص 284 - 286. وأنظر كتاب ناصر خسرو علوي، سفر نامة، ترجمة يحيى الخشّاب، الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1993، طبعة ثانية، القاهرة، ص 68.