مقدرة، وتدبير قاصد. وتنتهي إلى ما شاء الله من العواقب. وفيها تتجلى رحمة الله بعباده. ورحمته ومغفرته أقرب وأكبر: «إِنَّ اللَّهَ كانَ غَفُورًا رَحِيمًا» ) [1] .
وهكذا ينتهي درس غزوة الأحزاب؛ ليعلمنا درسا في صناعة الرجولة الإسلامية يتلخص في كلمتين اليقين والصدق ... واختم هذا الدرس بكلمات للدكتور الخطيب يلخص فيها ما أصلناه هنا (قوله تعالى: «مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجالٌ صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَما بَدَّلُوا تَبْدِيلًا» . أي من المؤمنين الذين سلموا من النفاق، رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه .. إذ ليس كلّ المؤمنين على درجة واحدة في إيمانهم .. بل هم درجات في الإيمان(والعمل بلوازمه ومقتضياته) ، كما أنهم درجات عند الله .. وحرف الجرّ «من» هنا للتبعيض .. أي أن بعض المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه. - وفي قوله تعالى: «رجال» إشارة إلى أنهم أناس قد كملت رجولتهم، وسلمت لهم إنسانيتهم .. فكانوا رجالا حقّا، لم ينتقص من إنسانيتهم شئ .. فالكفر، والشرك، والنفاق، وضعف الإيمان، كلّها أمراض خبيثة، تغتال إنسانيّة الإنسان، وتفقده معنى الرجولة فيه .. فالرجل كلّ الرجل، هو من تحرّر عقله من الضلال، وصفت روحه من الكدر، وسلم قلبه من الزيغ .. ثم لا عليه بعد هذا ألا يمسك بيده شئ من جمال الصورة، أو وفرة المال، أو قوة السلطان. وفي تنكير «رجال» معنى التفخيم، والتعظيم، كما يقول الله تعالى: «يُسَبِّحُ لَهُ فِيها بِالْغُدُوِّ وَالْآصالِ رِجالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقامِ الصَّلاةِ وَإِيتاءِ الزَّكاةِ يَخافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصارُ» (36: 37 النور) وكما يقول سبحانه: «لا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ .. فِيهِ رِجالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ» (108 التوبة) . - وقوله تعالى: «فَمِنْهُمْ مَنْ قَضى نَحْبَهُ» أي من هؤلاء الرجال من مات، وهو على إيمانه الوثيق بالله، وفي موقف الجهاد في سبيل الله، قد وفى بما نذره الله، وعاهد الله عليه. - وقوله تعالى: «وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ» أي من ينتظر قضاء الله فيه، موتًا، أو استشهادا في ميدان القتال، فهو على ترِقب وانتظار لليوم الذي تتاح له فيه الفرصة للوفاء بنذره وعهده. - وفي قوله تعالى: «يَنْتَظِرُ» إشارة إلى أن المؤمن الصادق الإيمان، ينتظر لقاء ربّه، وهو في شوق إلى هذا اللقاء، يعدّ له اللحظات، ويستطيل أيام الحياة الدنيا، في طريقه إلى ربه .. شأن من ينتظر أمرا محبوبا
(1) في ظلال القرآن لسيد قطب 5\ 2845 ط الشروق ..