(إن الغزو التاريخي ليس غزوا بالدبابات، أو الطائرات، أو حتى بالأفكار كالغزو الثقافي، بل هو أخطر من ذلك بكثير.
فالغزو التاريخي لا يحارب الواقع فقط، وإنما يحارب الماضي الذي بُنى عليه الحاضر.
ونظرية الغزو التاريخي تتلخص بأن يدمر الغزاة أسباب وجودنا أصلا على ساحة التاريخ.
وذلك بالتشكيك والطعن برموز الأمة، فينتج عن ذلك الشك بالروايات التي نقلها لنا رموزنا، أو التي نقلت عنهم بالأساس، قبل أن يقوم الغزاة بتسليط الضوء على مراحل الضعف التي مرت بها الأمة، أو حتى اختلاق قصص وهمية تشوه صورة تاريخنا في أعيننا، ليقوم هؤلاء بتحويل أبطالنا إلى قتلة قذرين، وعلمائنا إلى أشخاص مجانين؛ وفى أحسن الأحوال إلى شطبهم جميعا من ذاكرة التاريخ نهائيا.
في نفس الوقت يقوم هؤلاء الغزاة بتمجيد أبطال وهميين في تاريخهم؛ أو حتى في تاريخنا ..
فيتحول (عمرو بن العاص) صاحب رسول الله النقي العادل إلى مجرم حرب؛ بينما يتحول المجرم (نابليون بونابرت) إلى فاتح عظيم تخلده كتبنا الدراسية ..
ويصبح (عباس بن فرناس) مخترع الطيران عالما مجنونا؛ بينما يُمجد (اينشتاين) صاحب مشروع القنبلة النووية التي قتلت آلاف من الأبرياء ..
وفى أحسن الحالات يعمل هؤلاء الغزاة على شطب اسم بطل حقيقى قلما رأت الأرض بطلا مثله كالبطل (أحمد بن فضلان) ، ليوضع مكانه اسم بطل خرافى مثل (السندباد، أو علاء الدين، أو حتى اللص على بابا) .