وليكن الدرس مرة أخرى مع خباب بن الأرت الرجل البطل (ممن فتن عن دينه فثبت عليه، فإنه سبي في الجاهلية فاشترته(أم أنمار الخزاعية) أي وكان قينا أي حدادا، وكان صلى الله عليه وسلم يألفه ويأتيه، فلما أسلم وأخبرت بذلك مولاته صارت تأخذ الحديدة وقد أحمتها بالنار فتضعها على رأسه، فشكا ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «اللهم انصر خبابا، فاشتكت مولاته رأسها فكانت تعوي مع الكلاب، فقيل لها اكتوي، فكان خباب يأخذ الحديدة وقد أحماها فيكوي رأسها» .
وفي البخاري عن خباب قال: «أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو متوسد برده في ظل الكعبة» ولقد لقينا يعني معاشر المسلمين من المشركين شدة شديدة، فقلت: يا رسول الله ألا تدعو الله لنا؟ فقعد صلى الله عليه وسلم محمرا وجهه، فقال: إنه كان من قبلكم ليمشط أحدهم بأمشاط الحديد ما دون عظمه من لحم وعصب ما يصرفه ذلك عن دينه، ويوضع المنشار على فرِق رأس أحدهم فيشق ما يصرفه ذلك عن دينه، وليظهرن الله تعالى هذا الأمر حتى يصير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا الله والذئب على غنمه».) [1] ا. ه.
هكذا يذكر لنا خباب رضي الله عنه المنهج الدراسي في مدرسة محمد صلى الله عليه وسلم الخاصة للرجولة، وأهم المواد فيها هي الصبر واليقين، ومنهجها العملي في الثبات والجهاد بالنفس والنفيس .. هكذا انتشر الإسلام، وبلغ ما بين المشرِقين .. على أكتاف هؤلاء الأبطال ومن اتبعهم بإحسان إلى يوم الدين .. !
وعلى أكتاف أمثال هؤلاء سيعود الإسلام إلى مكانه الطبيعى شابا فتيا يقود الأمم .. قال الله عز وجل: (هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون) . تبشرنا هذه الآية الكريمة بأن المستقبل للإسلام بسيطرته وظهوره وحكمه على الأديان كلها، وقد يظن بعض الناس أن ذلك قد تحقق في عهده صلى الله عليه وسلم وعهد الخلفاء الراشدين والملوك
(1) من السيرة الحلبية، العلمية، ط.2، 1\ 425)