قال: فلما رآها أخذ المعول وقال: «باسم الله» وضربها ضربة تكسر ثلثها وبرِقت برِقة أضاءت ما بين لابتي المدينة حتى كأنّ مصباحا في جوف ليلة مظلمة، فقال: «الله أكبر، أعطيت مفاتيح فارس، والله إنيّ لأبصر قصر المدائن الأبيض» ثم ضربه التالية فقطع بقية الحجر، وبرِق منها برِقة أضاء ما بين لابتيها، فقال «الله أكبر، أعطيت مفاتيح اليمن، والله إني لأبصر صنعاء من مكاني السّاعة» [1] . هذه الروح العالية .. هذا الإيمان وهذا اليقين، ولو حتى في أشد المواقف في تاريخ الإسلام حرجا، والمسلمين ضعفا .. هو بالضبط ما نحتاج بعضه في بناء الرجولة الحقيقية، وصنع الرجال صناعة إسلامية صحيحة .. تلقى للدنيا أجيالا جديدة؛ ترفع راية النور وتعيد للحق والهدى الريادة ... فهل تعلمنا الدرس؟!
إن للكلمات معانٍ في ألفاظها ومعانٍ في معانيها .. وأقصد الفرِق بين حرفية اللفظ ودلالته .. وحديثنا عن الرجولة موجه منذ البداية إلى مفهومها الدلالي، والذي لا يجدي نفعا أن ترسم حدوده كلمات قلائل .. فالرجولة معنىً سامٍ استخدمه اللغة في بعض مواضعه للإشارة إلى خصائص يتفرد بها إنسان ما، ليبلغ درجة التكريم الالهى الذي اختصه به الحق تعالى .. قلت إن الكلمات لاتصف هذا الارتقاء في تحمل مسؤولية الحق والوقوف جبلا شامخا في وجه أى محاولة لاهتزازه .. إنه أهم معاني الرجولة، وهى التي تنتظم كثيرا من معاني الأخلاق الرفيعة والقيم الراقية .. فالفرد من الناس حين لا يرضى إلا الأنوثة في امرأته فهو ذكر، ولكن حين يرفع قواعد بيت صالح بكل ما يكلفه ذلك؛ فهو الرجل حقا .. والشاب حين تجرى به الدنيا في ملاهيها ولا يعرف من عمره إلا اللذات .. يتبعها حيث كانت؛ فهو التائه الضائع لا شك، ولكن حين يدرك ما خلق له من الاستعداد عقلا وجسما وقلبا وروحا لمهمة إصلاح العالم وهدايته؛ فهو الفتى (من معنى الفتوة)
(1) (سبل الهدى والرشاد، في سيرة خير العباد 9\ 508)