اليوم، والرجل غدا .. وعلى هذا تقاس المعاني، ولكن من يعقل قليل .. وقد آنستنا سير البطولة بنساء الواحدة فيهن بألف رجل .. بل وأطفال أكثر رجولة من الكثيرين فينا ...
إن القرآن العظيم تحد ث عن الرجولة - بمعناها الدلالي - أكثر من مرة؛ ليربط الأذهان دائما بمقاييس الرجولة في الإسلام. ومن تلك المرات التي يتحدث فيها عن الرجولة الحقة، والتي تنبع من الإيمان بمبدأ الحق، واليقين بنصرته، وتفرز البطولات التي لا تنتهي رفعة للحق على أرض الواقع ... يقول تعالى"وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا (22) مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا (23) لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ إِنْ شَاءَ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا (24) الأحزاب"..
في غزوة الأحزاب للسنة الخامسة من هجرة الرسول صلى الله عليه وسلم .. وقد تجمعت كل قوى الشر؛ تريد الانقضاض على الإسلام للمرة الأخيرة لتبيده تماما وتمحوه من على وجه البسيطة .. والرسول والمؤمنون معه يحتمون بخندق صنعوه حول المدينة .. الحقيقة أن الإيمان كان يجمعهم خلف الخندق في خندق واحد ..
(وقد كان أحرج موقف يقفه المسلمون، فلم يكن يحول بينهم وبين قريظة شيء يمنعهم من ضربهم من الخلف، بينما كان أمامهم جيش عرمرم لم يكونوا يستطيعون الانصراف عنه، وكانت ذراريهم ونساؤهم بمقربة من هؤلاء الغادرين في غير منعة وحفظ، وصاروا كما يقول الله تعالى: وَإِذْ زاغَتِ الْأَبْصارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَناجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا(10) هُنالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزالًا شَدِيدًا (33: 10، 11) ونجم النفاق من بعض المنافقين، حتى قال: كان محمدا يعدنا أن نأكل كنوز كسرى وقيصر، وأحدنا اليوم لا يأمن على نفسه أن يذهب إلى الغائط. وحتى قال بعض آخر في ملأ من رجال قومه: إن بيوتنا عورة من العدو، فأذن لنا أن نخرج، فنرجع إلى دارنا، فإنها خارج المدينة، وحتى همت بنو سلمة بالفشل وفي هؤلاء أنزل الله تعالى: وَإِذْ يَقُولُ الْمُنافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ ما وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا (12) وَإِذْ قالَتْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ يا أَهْلَ يَثْرِبَ لا مُقامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنا عَوْرَةٌ وَما هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ يُرِيدُونَ إِلَّا فِرارًا (33: 12، 13) .) إلى هذا الحد كان الموقف عصيبا، (أما رسول الله صلّى الله عليه وسلم فتقنع