(فإنه لا يسوغ لنا، ولا يليق بنا أن نتلفت حيارى بحثًا عن الطريق، وبين أيدينا المعين الذي لا ينضب في كتاب الله تعالى، وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، فنكون:
كالعِيس في البيداء يقتلها الظَّما ... والماء فوق ظهورها محمولُ .. ) ...
إن تقليد أغلب المسلمين والمسلمات لغيرهم إنما هو أمارة الانهزام الداخلي الذي ينعكس في هذه التبعية العمياء التي أودت بأصالتهم، وأفقدتهم"العزة الإسلامية"، وجعلتهم يهونون على ربهم، ويهونون على أنفسهم.
ف"ويل للمغلوب من الغالب"؛ ولله دَر العلامة ابن خلدون رحمه الله إذ عقد فصلًا خاصا في"مقدمته" (الفصل الثالث والعشرون) جعله بعنوان:
"المغلوب مولع أبدًا بالاقتداء بالغالب في شعاره وزيه ونحلته وسائر أحواله وعوائده"، وبين فيه أن الذي يقلد غيره إنما هو الضعيف والناقص والمغلوب والجاهل، فقال:
"ولذلك ترى المغلوب يتشبه أبدًا بالغالب في ملبسه ومركبه وسلاحه في اتخاذها وأشكالها، بل وفي سائر أحواله، وانظر ذلك في الأبناء مع آبائهم كيف تجدهم متشبهين بهم دائما، وما ذلك إلا لاعتقادهم الكمالَ فيهم، حتى إنه إذا كانت أمة تجاور أخرى، ولها الغلب عليها، فيسرى إليهم من هذا التشبه والاقتداء حظ كبير، كما هو في الأندلس لهذا العهد مع أمم الجلالقة أي (الأسبان) ، فإنك تجدهم يتشبهون بهم في ملابسهم وشاراتهم والكثير من عوائدهم وأحْوالهم حتى في رسم التماثيل في الجدران والمصانع والبيوت، حتى لقد يَسْتَشْعِر من ذلك الناظرُ بعين الحكمة أنه من علامات الاستيلاء، فالأمر لله"اهـ.
وصدق ابن خلدون رحمه الله، فلقد توقع استيلاء الإفرنج على الأندلس الإسلامية، وخروج المسلمين منها قبل أن يقع ذلك بنحو مئتي سنة، ولم يكن له دليل على ذلك إِلا مشاهدته تشبه المسلمين بالأعداء في ملابسهم وشاراتهم وعاداتهم وأحوالهم.