يروي لنا البخاري في صحيحه عن خباب بن الأرت رضى الله عنه - وهو من المؤمنين الضعفاء المعذبين الذين كلُّوا تحت مختلف صنوف العذاب .. كان قد سُبي في الجاهلية فاشترته (أم أنمار) ، وكان حدادا وكان النبي يألفه قبل النبوة، فلما شرّفه الله بها أسلم خباب، فكانت مولاته تعذبه بالنار فتأتي بالحديدة المحمّاة فتجعلها على ظهره ليكفر، فلا يزيده إلا إيمانا ..
يَقُولُ خباب: «أَتَيْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ وَهُوَ مُتَوَسِّدٌ بُرْدَهُ فِي ظِلِّ الْكَعْبَةِ وَقَدْ لَقِينَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ شِدَّةً شَدِيدَةً، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ أَلَا تَدْعُو اللهَ لَنَا؟! فَقَعَدَ، وَهُوَ مُحْمَرٌّ وَجْهُهُ، فَقَالَ: إِنَّ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ لَيُمَشَّطُ أَحَدُهُمْ بِأَمْشَاطِ الْحَدِيدِ مَا دُونَ عَظْمِهِ مِنْ لَحْمٍ أَوْ عَصَبٍ مَا يَصْرِفُهُ ذَلِكَ عَنْ دِينِهِ، وَيُوضَعُ الْمِنْشَارُ عَلَى مَفْرِقِ رَأْسِهِ فَيُشَقُّ بِاثْنَيْنِ مَا يَصْرِفُهُ ذَلِكَ عَنْ دِينِهِ، وَلَيُتِمَّنَّ اللهُ هَذَا الْأَمْرَ حَتَّى يَسِيرَ الرَّاكِبُ مِنْ صَنْعَاءَ إِلَى حَضْرَمَوْتَ لَا يَخَافُ إِلَّا اللهَ عَزَّ وَجَلَّ وَالذِّئْبَ عَلَى غَنَمِهِ» ..
(ماذا عسى يفعل محمد صلى الله عليه وسلم لأولئك البائسين؟! إنه لا يستطيع أن يبسط حمايته على أحد منهم، لأنّه لا يملك من القوة ما يدفع به عن نفسه، وقد كان في صلاته يرمى عليه- وهو ساجد- بكرش الجزور أو رحم الشاة المذبوحة، وكانت الأنجاس تلقى أمام بيته، فلا يملك إلا الصبر.
إن محمدا صلوات الله وسلامه عليه لم يجمع أصحابه على مغنمٍ عاجلٍ أو آجل، إنه أزاح الغشاوة عن الأعين، فأبصرت الحقّ الذي حجبت عنه دهرا، مسح الران عن القلوب، فعرفت اليقين الذي فطرت عليه، وحرمتها الجاهلية منه، إنه وصل البشر بربهم، فربطهم بنسبهم العريق، وسببهم الوثيق، وكانوا قبلا- حيارى محسورين، إنه وازن للناس بين الخلود والفناء، فاثروا الدار الاخرة على الدار
(1) 92 جاء في الزهد لأحمد بن حنبل بسنده رِقم 1627 عَنِ الْحَسَنِ قَالَ: «ابْنَ آدَمَ دِينُكَ دِينُكَ فَإِنَّمَا هُوَ لَحْمُكَ وَدَمُكَ فَإِنْ يَسْلَمْ لَكَ دِينُكَ يَسْلَمْ لَكَ جِسْمُكَ وَدَمُكَ وَإِنْ تَكُنِ الْأُخْرَى فَنَعُوذُ بِاللَّهِ فَإِنَّهَا نَارٌ وَلَا تُطْفَأُ، وَجَسَدٌ لَا يَبْلَى وَنَفَسٌ لَا تَمُوتُ» .