الزائلة، وخيّرهم بين أصنام حقيرة وإله عظيم، فازدروا الأوثان المنحوتة، وتوجّهوا للذي فطر السموات والأرض.
حسب محمّد صلى الله عليه وسلم أن قدّم هذا الخير الجزيل، وحسب أصحابه أن ساقته العناية لهم، فإذا أوذوا فليحتسبوا، وإذا حاربهم عبيد الرجس من الأوثان، فليلزموا ما عرفوا، والحرب القائمة بين الكفران والإيمان سينجلي غبارها يوما ما، ثم تنكشف عن شهداء وعن هلكى، وعن مؤمنين قائمين بأمر الله ومشركين مدحورين بإذن الله.
وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يبثّ عناصر الثقة في قلوب رجاله، ويفيض عليهم ما أفاضه الله على فؤاده من أمل رحيب في انتصار الإسلام، وانتشار مبادئه، وزوال سلطان الطغاة أمام طلائعه المظفّرة في المشارق والمغارب، وقد اتخذ المستهزئون من هذه الثقة مادة لسخريتهم وضحكهم؛ كان الأسود بن المطّلب وجلساؤه إذا رأوا أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام يتغامزون بهم، ويقولون:
قد جاءكم ملوك الأرض الذين سيغلبون غدا على ملك كسرى وقيصر، ثم يصفّرون ويصفقون!!) [1] .
ولا ينسى التاريخ أبدا كيف كان النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضي الله عنهم يتحمّلون الشدائد والأذى، والجوع والعطش، إِظهارًا للدين المتين. وكيف هانت عليهم نفوسهم في الله لإِعلاء كلمته.
عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
"لقد أوذيت في الله وما يؤذى أحد، وأُخِفتُ في الله وما يخاف أحد، ولقد أتت علي ثلاثون من بين يوم وليلة وما لي ولبلال ما يأكله ذو كبد (أى إنسان أو حيوان) إلا ما يواري إبط بلال"
(1) فقه السيرة للغزالي (ص: 112)