بثوبه حين أتاه غدر قريظة، فاضطجع ومكث طويلا، حتى اشتد على الناس البلاء، ثم غلبته روح الأمل، فنهض يقول: «الله أكبر، أبشروا يا معشر المسلمين بفتح الله ونصره» ) [1] . في هذا الموقف يُبتلى المؤمنون، وتظهر المعادن الأصلية للرجال .. هنا اختبار المتانة لصناعة الرجولة الإسلامية .. هنا يظهر للدنيا كلها جيلا من الرجال تربى في مدرسة محمد صلى الله عليه وسلم ليعلّم الدنيا معنى البطولة .. جيل مرسوا الابتلاءات والمحن حتى صقلتهم كما تصقل النار الذهب .. امتحن الله صدق إيمانهم؛ فما كان منهم إلا النجاح بامتياز .. حين تعلموا القرآن، وسمعوا الله فيه يقول"أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ (214) "البقرة) .. وعوا الدرس جيدا، فكان الثبات والرجولة .."وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا".. هذا هو طريق الصادقين .. والسؤال لنا اليوم، ماذا لو كنا مكانهم؟! ....
"من المؤمنين رجال".. منهم .. وليس كل مؤمن يستحق معنى الرجولة .. فإن مجرد الإيمان بمعناه المجرد في التصديق لا يكفى لصنع رجل على الطريقة الإسلامية .. ولذلك شدد أهل الحق على أن الإيمان اعتقاد يصدقه القول والعمل .. وإلا فهو ادعاء أجوف ليس له على أرض الحياة دليل .. وكم اقترن العمل بالإيمان في آيات القرآن .."ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون"33 الأنعام ..."من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله".. الصدق أصعب صفات الرجولة وأشقه على النفس، ولذا أفرده المحققون بالعناية، وأولوه من نفوسهم الرعاية ..
قال حجة الإسلام الغزالي رحمه الله سبحانه وتعالى- في إحياءه: (اعلم أن لفظ الصدق يستعمل في ستة معان صدق في القول، وصدق في النية والإرادة، وصدق في العزم، وصدق في الوفاء بالعزم،
(1) (الرحيق المختوم -ط دار العصماء دمشق، 1\ 251)