فهرس الكتاب

الصفحة 94 من 181

وصدق في العمل، وصدق في تحقيق مقامات الدين كلها. فمن اتصف بالصدق في جميع ذلك فهو صديق لأنه مبالغة في الصدق. ثم هم أيضًا على درجات فمن كان له حظ في الصدق في شيء من الجملة فهو صادق بالإضافة إلى ما فيه صدقه.

الصدق الأول: صدق اللسان، وذلك لا يكون إلا في الإخبار أو فيما يتضمن الإخبار وينبه عليه، والخبر إما أن يتعلق بالماضي أو بالمستقبل .. وفيه يدخل الوفاء بالوعد، والخلف فيه، وَحَقٌّ عَلَى كُلِّ عَبْدٍ أَنْ يَحْفَظَ أَلْفَاظَهُ فلا يتكلم إلا بالصدق وهذا هو أشهر أنواع الصدق وأظهرها، فمن حفظ لسانه عن الإخبار عن الأشياء على خلاف ما هي عليه فهو صادق، ولكن له كمالان:

فالكمال الأول: في اللفظ أن يحترز عن صريح اللفظ بالكذب، وعن المعاريض أيضًا إلا عند الضرورة. والكمال الثاني: أَنْ يُرَاعِيَ مَعْنَى الصِّدْقِ فِي أَلْفَاظِهِ الَّتِي يُنَاجِي بِهَا رَبَّهُ كَقَوْلِهِ"وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فطر السموات والأرض"فَإِنَّ قَلْبَهُ إِنْ كَانَ مُنْصَرِفًا عَنِ اللَّهِ تَعَالَى مَشْغُولًا بِأَمَانِي الدُّنْيَا وَشَهَوَاتِهِ فَهُوَ كَذِبٌ. وكقوله"إياك نعبد"وقوله"أَنَا عَبْدُ اللَّهِ"فَإِنَّهُ إِذَا لَمْ يَتَّصِفْ بِحَقِيقَةِ الْعُبُودِيَّةِ وَكَانَ لَهُ مَطْلَبٌ سِوَى اللَّهِ لَمْ يَكُنْ كَلَامُهُ صِدْقًا؛ وَلَوْ طُولِبَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِالصِّدْقِ فِي قَوْلِهِ: أَنَا عَبْدُ اللَّهِ لعجز تَحْقِيقِهِ فَإِنَّهُ إِنْ كَانَ عَبْدًا لِنَفْسِهِ، أَوْ عَبْدًا لِدُنْيَا، أَوْ عَبْدًا لِشَهَوَاتِهِ لَمْ يَكُنْ صَادِقًا فِي قَوْلِهِ. وكُلُّ مَا تَقَيَّدَ الْعَبْدُ به فهو عبد له كما قال عيسى عليه السلام يا عبيد الدنيا، وقال نبينا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ"تَعِسَ عَبْدُ الدُّنْيَا وتعس عبد الدرهم وعبد الحلة وعبد الخميصة"فسمى كُلَّ مَنْ تَقَيَّدَ قَلْبُهُ بِشَيْءٍ عَبْدًا لَهُ. وَإِنَّمَا الْعَبْدُ الْحَقُّ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ مَنْ أعتق أولًا من غير الله تعالى فصار حرًا مطلقًا، فإذا تقدمت هذه الحرية صار القلب فارغًا فحلت فيه العبودية لله فتشغله بالله وبمحبته، وتقيد باطنه وظاهره بطاعته؛ فلا يكون له مراد إلا الله تعالى، ثم تجاوز هذا إلى مقام آخر أسنى منه يسمى الحرية وهو أن يعتق أيضًا عن إرادته لله من حيث هو بل يقنع بما يريد الله له من تقريب أو إبعاد فتفنى إرادته في إرادة الله تعالى، وهذا عبد عتق عن غير الله فصار حرًا ثم عاد وعتق عن نفسه فصار حرًا وصار مفقودًا لنفسه موجودًا لسيده ومولاه؛ إن حركه تحرك، وإن سكنه سكن، وإن ابتلاه رضي لم يبق فيه متسع لطلب والتماس واعتراض؛ بل هو بين يدي الله كالميت بين يدي الغاسل وهذا منتهى الصدق في العبودية لله تعالى. فالعبد الحق هو الذي وجوده لمولاه لا لنفسه وهذه درجة الصديقين. وأما الحرية عن غير الله فدرجات الصادقين، وبعدها تتحقق العبودية لله

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت