إن الرجولة في الحقيقة ليست رفاهية تشريف ينتسب إليها المرء فيصير رجلا، وكذلك ليست موقفا يتخذه في حياته وينتهي؛ ليقال بعدها طول عمره أنه الرجل .. إنها موقف الحياة وحياة الموقف .. وهكذا هي في الإسلام .. موقفٌ يتخذه المرء ليخلد له حياة فوق الحياة نفسها .. إنها التزام .. ربما يتطلب الأمر التضحية بكل شئ، وبأى شئ حتى النفس .. وفى الحقيقة ليس كل الرجال قادر على هذه التضحية .. إنها الصفوة التي صنعها الإسلام على عينه لتكون القدوة والنبراس .... يروى لنا الإمام أحمد [1] من حديث جابر بن عبد الله رضى الله عنه قَالَ: (مَكَثَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمَكَّةَ عَشْرَ سِنِينَ، يَتْبَعُ النَّاسَ فِي مَنَازِلِهِمْ بعُكَاظٍ وَمَجَنَّةَ، وَفِي الْمَوَاسِمِ بِمِنًى، يَقُولُ:"مَنْ يُؤْوِينِي؟ مَنْ يَنْصُرُنِي حَتَّى أُبَلِّغَ رِسَالَةَ رَبِّي، وَلَهُ الْجَنَّةُ؟"حَتَّى إِنَّ الرَّجُلَ لَيَخْرُجُ مِنَ الْيَمَنِ، أَوْ مِنْ مِصْرَ - كَذَا قَالَ - فَيَأْتِيهِ قَوْمُهُ، فَيَقُولُونَ: احْذَرْ غُلَامَ قُرَيْشٍ، لَا يَفْتِنُكَ، وَيَمْشِي بَيْنَ رِجَالِهِمْ، وَهُمْ يُشِيرُونَ إِلَيْهِ بِالْأَصَابِعِ، حَتَّى بَعَثَنَا اللهُ لَهُ مِنْ يَثْرِبَ، فَآوَيْنَاهُ، وَصَدَّقْنَاهُ، فَيَخْرُجُ الرَّجُلُ مِنَّا فَيُؤْمِنُ بِهِ، وَيُقْرِئُهُ الْقُرْآنَ، فَيَنْقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ فَيُسْلِمُونَ بِإِسْلَامِهِ، حَتَّى لَمْ يَبْقَ دَارٌ مِنْ دُورِ الْأَنْصَارِ إِلَّا وَفِيهَا رَهْطٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، يُظْهِرُونَ الْإِسْلَامَ، ثُمَّ ائْتَمَرُوا جَمِيعًا، فَقُلْنَا: حَتَّى مَتَى نَتْرُكُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُطْرَدُ فِي جِبَالِ مَكَّةَ وَيَخَافُ؟ فَرَحَلَ إِلَيْهِ مِنَّا سَبْعُونَ رَجُلًا حَتَّى قَدِمُوا عَلَيْهِ فِي الْمَوْسِمِ، فَوَاعَدْنَاهُ شِعْبَ الْعَقَبَةِ، فَاجْتَمَعْنَا عِنْدَهُ مِنْ رَجُلٍ وَرَجُلَيْنِ حَتَّى تَوَافَيْنَا، فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ
(1) (في مسنده ط الرسالة برِقم) 14456 قال محققو المسند الشيخ الارنؤوط وآخرون (صحيح على شرط مسلم) . قال السندى: قوله:"عُكَاظ": سوق لهم يجتمعون فيه."مَجَنَّة"موضع على أميال يسيرة من مكة بناحية مر الظهران، وقيل: على بريد من مكة، وهو سوق هجر."من يؤويني"من الإيواء، أي: يحفظني."لم نضرب أكباد الإبل"كناية عن السفر."وأن تعضكم السيوف"، أي: تنال من أجسادكم، وهو كناية عن القتال."جبينة"تصغير الجُبن بزيادة التاء للمرة، كأنه نبههم على أن خوف قليل من الجبن مُفسِد لهذا الأمر، فكيف الكثير."أمِط"، أي: أَزِلْ عنَا منعك وحيلولتك بيننا وبين البيعة.