بْنَ الْيَمَانِ يَأْتِيهِ بِخَبَرِهِمْ، فَوَجَدَهُمْ عَلَى هَذِهِ الْحَالِ، وَقَدْ تَهَيَّئُوا لِلرَّحِيلِ، فَرَجَعَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَأَخْبَرَهُ بِرَحِيلِ الْقَوْمِ، فَأَصْبَحَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَقَدْ رَدَّ اللَّهُ عَدُوَّهُ بِغَيْظِهِ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا، وَكَفَاهُ اللَّهُ قِتَالَهُمْ، فَصَدَقَ وَعْدَهُ، وَأَعَزَّ جُنْدَهُ، وَنَصَرَ عَبْدَهُ، وَهَزَمَ الْأَحْزَابَ وَحْدَه.) [1] ا. ه. وقد نجحت دعاية نعيم بن مسعود أيما نجاح، فغرست روح التشكيك، وعدم الثقة بين قادة الأحزاب؛ مما أدى إلى كسر شوكتهم، وتهبيط عزمهم. وكان من أسباب نجاح مهمة نعيم قيامها على الأسس التالية: أ- أنه أخفى إسلامه عن كل الأطراف، بحيث وثق كل طرف فيما قدمه له من نصح. ب- أنه ذكر بني قريظة بمصير بني قينقاع وبني النضير، وبصرهم بالمستقبل الذي ينتظرهم إن هم استمروا في حروبهم للرسول صلى الله عليه وسلم, فكان هذا الأساس سببًا في تغيير أفكارهم وقلب مخططاتهم العدوانية.
ج- أنه نجح في إقناع كل الأطراف بأن يكتم كل طرف ما قال له, وفي استمرار هذا الكتمان نجاح في مهمته، فلو انكشف أمره لدى أي طرف من الأطراف لفشلت مهمته. وهكذا قام نعيم بن مسعود بدور عظيم في غزوة الأحزاب [2] ...
هذا هو رجل واحد قلب الموازين كلها في معركة هي الأخطر في تاريخ الإسلام .. رجل لم يعهد الإسلام غير يوم واحد .. ولكنه يوم دخله كان يعلم يقينا دوره في هذه الأمة، ليعرِّض نفسه للهلاك في لعبة استخبراتية من أخطر ما يكون .. لو أن كل واحد فينا عرف دوره في الارتقاء برجولته، والوقوف بصدق في معسكر المسلمين الحقيقيين؛ لا من يدَّعون الانتساب للإسلام .. لو أننا بحثنا عما نستطيع أن نفعل لرفع راية الحق .. لو بذلنا الوسع قليلا، وحذفنا كلمات الهزيمة والإحباط التي علَّمنا إياها الأعداء ليركبوا صدورنا .. لو أننا تناسينا - ولو لمرة واحدة - ما زرعوه فينا - إفكا ووهما - بالحروب النفسية من أن ما وصلنا إليه هو آخر منانا، وأنهم لن ينزلوا عن عرش العالم أبدا .. لو كان منا مليون رجل - فقط -كسلفنا العظيم .. لعدنا رجالا كما ينبغي، نرفع رايتنا فوق رايات الجميع.
(1) زاد المعاد لابن القيم 3\ 244،245 ط. الرسالة بيروت ط.27 - 1994
(2) (السيرة النبوية للصلابى 1\ 605 دار المعرفة بيروت ط.7\ 2008