الإسلام، عن طريق الفكر الحرّ والاقتناع الخالص ... فقد جاؤوا من يثرب مؤمنين أشدّ الإيمان، وملبّين داعي التضحية، مع أنّ معرفتهم بالنبي صلى الله عليه وسلم كانت لمحة عابرة؛ غبرت عليها الأيام، وكان الظن بها أن تزول. لكننا لا يجوز أن ننسى مصدر هذه الطاقة المتأجّجة من الشجاعة والثقة؛ إنّه القران!! لئن كان الأنصار قبل بيعتهم الكبرى لم يصحبوا الرسول صلى الله عليه وسلم إلا لماما؛ فإن الوحي المشعّ من السماء أضاء لهم الطريق، وأوضح الغاية ... ثم إنّ الرسول صلى الله عليه وسلم جعل من هذا الإيمان بالحقّ رباطا، يعقد من تلقاء نفسه صلة الحب والتناصر بين أشتات المؤمنين في المشرِق والمغرب.
فالمسلم في المدينة- وإن لم ير أخاه المستضعف في مكة- يحنو عليه، ويتعصّب له، ويغضب من ظالمه، ويقاتل دونه، وذلك ما استقدم الأنصار من يثرب؛ تجيش في حناياهم مشاعر الولاء لمن أحبوهم بالغيب في ذات الله.
عن أبي مالك الأشعري: أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «يا أيها الناس! اسمعوا واعقلوا، واعلموا أنّ لله عبادا ليسوا بأنبياء ولا شهداء، يغبطهم النبيّون والشهداء على منازلهم، وقربهم من الله» . فجثا رجل من الأعراب من قاصية النّاس، وألوى بيده إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول الله! ناس من الناس، ليسوا بأنبياء ولا شهداء، يغبطهم الأنبياء والشهداء على مجالسهم وقربهم من الله؟! انعتهم لنا، جلّهم لنا- يعني: صفهم لنا- فسُرّ وجه النبي صلى الله عليه وسلم بسؤال الأعرابي، وقال: «هم ناس من أفناء الناس، ونوازع القبائل، لم تصل بينهم أرحام متقاربة، تحابّوا في الله، وتصافوا، يضع الله لهم يوم القيامة منابر من نور، فيجلسون عليها، فيجعل وجوههم نورا، وثيابهم نورا، يفزع الناس يوم القيامة ولا يفزعون، وهم أولياء الله، لا خوف عليهم ولا هم يحزنون» «حسنه الالبانى في تحقيق فقه السيرة» .. الإيمان بالله، والحبّ فيه، والأخوة على دينه، والتناصر باسمه، ذلك كلّه كان يتدافع في النفوس المجتمعة في ظلام الليل بجوار مكة السادرة في غيّها، يتدافع ليعلن أنّ أنصار الله سوف يحمون رسوله صلى الله عليه وسلم كما يحمون أعراضهم، وسوف يمنعونه بأرواحهم، فلا يخلص إليه أذى وهم أحياء. [1] . ا. ه.
(1) فقه السيرة للغزالي السقا ط.1 دار القلم دمشق، 1427 ه،1\ 266.