فماذا تساوى كنوز الأرض مقابل أرواح تزهق وأطراف تقطع ... ). فلما جاءت رسل المقوقس إليه، قال: لهم كيف رأيتموهم؟ قالوا (اسمع معي جيدا .. هذا المعنى الأرِقى للحياة .. وهذه صفات الرجولة الحقة) : رأينا قوما الموت أحبّ إلى أحدهم من الحياة، والتواضع أحبّ إليه من الرفعة، ليس لأحدهم في الدنيا رغبة ولا نهمة، إنما جلوسهم على التراب، وأكلهم على ركّبهم، وأميرهم كواحد منهم، ما يعرف رفيعهم من وضيعهم، ولا السيّد فيهم من العبد، وإذا حضرت الصلاة لم يتخلّف عنها منهم أحد، يغسلون أطرافهم بالماء، وتخشعون في صلاتهم.
فقال عند ذلك المقوقس (وقد أذهله وجود رجال في ها العالم هكذا .. ولكنهم .. صناعة الاسلام!) : والذي يحلف به لو أنّ هؤلاء استقبلوا الجبال لأزالوها، وما يقوى على قتال هؤلاء أحد، ولئن لم نغتنم صلحهم اليوم وهم محصورون بهذا النيل، لم يجيبونا بعد اليوم إذا أمكنتهم الأرض، وقووا على الخروج من موضعهم. فردّ إليهم المقوقس رسله ابعثوا إلينا رسلا منكم نعاملهم، ونتداعى نحن وهم إلى ما عساه أن يكون فيه صلاح لنا ولكم.
فبعث عمرو بن العاص عشرة نفر، أحدهم عبادة بن الصامت (أحد الأسود التي رباها رسول الله صلى الله عليه وسلم) .
حدثنا سعيد بن عفير، قال: أدرك الإسلام من العرب عشرة نفر طول كلّ رجل منهم عشرة أشبار (أي كانوا أطفالا، ولكن أطفال الإسلام أبطال!) ، عبادة بن الصامت أحدهم.
قال: وأمره عمرو أن يكون متكلّم القوم، وألّا يجيبهم إلى شئ دعوه إليه إلّا إحدى هذه الثلاث خصال؛ فإن أمير المؤمنين قد تقدّم إلىّ في ذلك، وأمرني ألّا أقبل شيئا سوى خصلة من هذه الثلاث خصال). (وكان عبادة بن الصامت أسود، فلما ركبوا السفن إلى المقوقس، ودخلوا عليه، تقدّم عبادة، فهابه المقوقس لسواده فقال: نحّوا عنّى هذا الأسود، وقدّموا غيره يكلمني(نفس العنصرية .. ورثوها كابرا عن كابر، ولذلك لم يتعب الإسلام أبدا - وهو دين العدل والمساواة بين كل البشر - في جمع القلوب حوله والعقول والأرواح النقية التي تريد للإنسان مكانه الطبيعي في سلسلة الرِقى، وفى درجات التكريم الالهى) ، فقالوا جميعا: إنّ هذا الأسود أفضلنا رأيا وعلما، وهو سيّدنا وخيرنا والمقدّم علينا، وإنما نرجع جميعا إلى قوله ورأيه، وقد أمره الأمير دوننا بما أمره به، وأمرنا بأن