أخاف أن يغير دينكم الذي أنتم عليه بسحره. (وما خوفه - كما قلنا- إلا على الظلام الذي نسجه وأمثاله على الناس سنين ليستعبدوهم، وهم يخشون- أشد ما يخشون - نور الإسلام يفضحهم ويحرر الناس من عبوديتهم .. وهم يحاربون ذلك بالكذب والتلبيس والإعلام الفاجر الداعر يتهمون النور بالفساد، وكما تقول العرب: رمتني بدائها وانسلت .. وأى عقلٍ يقبل أن النور هو الفساد، والظلمة هداية، فكيف تحكمون؟!) . عن قتادة قال: (إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ) : أي أمركم الذي أنتم عليه (أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الأرْضِ الْفَسَادَ) والفساد عنده أن يعمل بطاعة الله."وقَالَ مُوسَى إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ مِنْ كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسَابِ (27) ".. يقول تعالى ذكره: وقال موسى لفرعون وملئه: إني استجرت أيها القوم بربي وربكم، من كلّ متكبر عليه، تكبر عن توحيده، والإقرار بإلوهيته وطاعته، لا يؤمن بيوم يحاسب الله فيه خلقه، فيجازي المحسن بإحسانه، والمسيء بما أساء; وإنما خص موسى صلوات الله وسلامه عليه، الاستعاذة بالله ممن لا يؤمن بيوم الحساب، لأن من لم يؤمن بيوم الحساب مصدقا، لم يكن للثواب على الإحسان راجيا، ولا للعقاب على الإساءة، وقبيح ما يأتي من الأفعال خائفا، ولذلك كان استجارته من هذا الصنف من الناس خاصة. وقوله: (وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ) اختلف أهل العلم في هذا الرجل المؤمن، فقال بعضهم: كان من قوم فرعون، غير أنه كان قد آمن بموسى، وكان يُسِرّ إيمانه من فرعون وقومه خوفا على نفسه. عن السديّ (وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ) قال: هو ابن عم فرعون. ويقال: هو الذي نجا مع موسى فمن قال هذا القول، وتأوّل هذا التأويل، كان صوابا الوقف إذا أراد القارئ الوقف على قوله: (مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ) ، لأن ذلك خبر متناه قد تمّ.
وقال آخرون: بل كان الرجل إسرائيليا، ولكنه كان يكتم إيمانه من آل فرعون.
والصواب على هذا القول لمن أراد الوقف أن يجعل وقفه على قوله: (يَكْتُمُ إِيمَانَهُ) لأن قوله: (مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ) صلة لقوله: (يَكْتُمُ إِيمَانَهُ) فتمامه قوله: يكتم إيمانه. (قلت: هذا من بديع بلاغة القرآن وعجائبه، فإن كون الرجل من آل فرعون، أو من قوم موسى يكتم إيمانه من آل فرعون خوفا .. لا يهم، وإنما يهم إيمانه .. وتقدير تمام الكلام بهذا الوقف أو ذاك هو إعجاز على إعجاز) . قال الطبري رحمه الله تعالى: وأولى القولين في ذلك بالصواب عندي القول الذي قاله السديّ من أن الرجل المؤمن كان من آل فرعون، قد أصغى (فرعون) لكلامه، واستمع منه ما قاله، وتوقف عن قتل