فهرس الكتاب

الصفحة 173 من 181

إنه إن كان الله هو «رب العالمين» فلا حكم إلا لشريعة الله، ولا طاعة إلا لأمر الله .. فأين يذهب شرع فرعون وأمره إذن، وهو لا يقوم على شريعة الله ولا يرتكن إلى أمره؟ .. كلا! إن الطاغوت لا يستسلم هكذا من قريب. ولا يسلم ببطلان حكمه وعدم شرعية سلطانه بمثل هذه السهولة!

وفرعون وملؤه لا يخطئون فهم مدلول هذه الحقيقة الهائلة التي يعلنها موسى. بل إنهم ليعلنونها صريحة، ولكن مع تحويل الأنظار عن دلالتها الخطيرة، باتهام موسى بأنه ساحر عليم:

«قالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ: إِنَّ هذا لَساحِرٌ عَلِيمٌ. يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ. فَماذا تَأْمُرُونَ؟» ..

إنهم يصرحون بالنتيجة الهائلة التي تتقرر من إعلان تلك الحقيقة. إنها الخروج من الأرض .. إنها ذهاب السلطان .. إنها إبطال شرعية الحكم .. أو .. محاولة قلب نظام الحكم! .. بالتعبير العصري الحديث! إن الأرض لله. والعباد لله. فإذا ردت الحاكمية في أرض لله، فقد خرج منها الطغاة، الحاكمون بغير شرع الله! أو خرج منها الأرباب المتألهون الذين يزاولون خصائص الألوهية بتعبيد الناس لشريعتهم وأمرهم.

وخرج منها الملأ الذين يوليهم الأرباب المناصب والوظائف الكبرى، فيعبدون الناس لهذه الأرباب! هكذا أدرك فرعون وملؤه خطورة هذه الدعوة .. وكذلك يدركها الطواغيت في كل مرة .. لقد قال الرجل العربي- بفطرته وسليقته- حين سمع رسول الله- صلى الله عليه وسلم- يدعو الناس إلى شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله: «هذا أمر تكرهه الملوك!» . وقال له رجل آخر من العرب بفطرته وسليقته: «إذن تحاربك العرب والعجم» .. لقد كان هذا العربي وذاك يفهم مدلولات لغته. كان يفهم أن شهادة أن لا إله إلا الله ثورة على الحاكمين بغير شرع الله عربًا كانوا أم عجمًا! كانت لشهادة أن لا إله إلا الله جديتها في حس هؤلاء العرب، لأنهم كانوا يفهمون مدلول لغتهم جيدًا. فما كان أحد منهم يفهم أنه يمكن أن تجتمع في قلب واحد، ولا في أرض واحدة، شهادة أن لا إله إلا الله، مع الحكم بغير شرع الله! فيكون هناك آلهة مع الله! ما كان أحد منهم يفهم شهادة أن لا إله إلا الله كما يفهمها اليوم من يدعون أنفسهم «مسلمين» .. ذلك الفهم الباهت التافه الهزيل! ...

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت