يا هند، ما زالت الملائكة مظلّة على أخيك من لدن قتل إلى الساعة ينتظرون أين يدفن»، ثم مكث رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى قبرهم، ثم قال: «يا هند، قد ترافقوا في الجنة» قالت: يا رسول الله، ادع الله عسى أن يجعلني معهم.) [1] .. ا. ه.
ثم إن الكلمات لتتوقف في الحلق؛ تعجز أن تصف هذا المعنى العالي للرجولة التي - كما قلت- تمتزج بطريقةٍ عجيبةٍ بالبطولة في رجالٍ يتسامون فوق ذواتهم .. يقفون على قمم جبال البطولة؛ حانين رؤوسهم لخالقهم؛ مُكَبِّرين بإسمه؛ يحملون أغلى التضحيات على أكفهم؛ يرون أنفسهم مقصرين ...
بالنسبة لعمرو بن الجموح (ر.) لم يكن الموقف ليصنع رجلا، أو ليبرزه، ولم يكن الرجل فيه وليد الصدفة، والبطولة بنت اللحظة .. لقد كان - ودائما - الرجل والبطل منذ صنعه الإسلام على عينه، وأعده لصنع المواقف والمآثر .. لقد خلف بالفعل أربعة أسود يصولون بسيوفهم رفعةً للإسلام؛ وهم لا شك في موازينه يوم القيامة، وهو الأعرج لا حرج عليه في الجهاد .. ولكنه المبدأ عند الرجل يرتسم في قوله: (بَخٍ! يَذْهَبُونَ إلَى الْجَنّةِ وَأَجْلِسُ أَنَا عِنْدَكُمْ!، يَقُولُ: اللهُمّ لَا تَرُدّنِي إلَى أَهْلِي خائبًا!) .. وكأنه ذاهب إلى رحلة ممتعة يحس فيها جمال الحياة ويشم زهرة الدنيا! إنها حرارة السيوف، ومقاساة الطعنات .. تطاير الرؤوس .. وانفصال الأيدي والأرجل .. وإنه العازم المصمم بلا خوف أو تردد .. أى بطلٍ هذا الشيخ الكبير المبتلى المعذور يقول (وَاَللهِ إنّي لَأَرْجُو أَنْ أَطَأَ بِعَرْجَتِي هَذِهِ الْجَنّةَ!) .. دعوى قعوده هي عينها دافع جهاده .. إن الرجل وقد ضعفت رجلاه عن حمله ولكن عزيمته تحمل الجبال وتنقلها من مكانها. وليس الأمر عند تربى في مدرسة محمد صلى الله عليه وسلم - فلتة من فلتات التاريخ؛ ولكنه نهج منتظم يصنع الأبطال كل حين .. فقد روى لنا الْبَغَوِيّ فِي (الصَّحَابَة) : أَن النُّعْمَان بن قوقل - رضى الله عنه - قَالَ يَوْم أحد: أَقْسَمت عَلَيْك يَا رب أَن لَا تغيب الشَّمْس حَتَّى أَطَأ بعرجتي فِي الْجنَّة، فاستشهد ذَلِك الْيَوْم، فَقَالَ النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (لقد رَأَيْته فِي الْجنَّة) وفي رواية «إن النعمانَ ظَنَّ باللهِ عزَّ وجلّ ظنًا فوجدَه عند ظنِّه، ولقد رأيتُه يطأُ في خُضرِها ما به عرج» [2] .. وهذا آخر يقسم الله فيبره .. وما ذلك إلا بركة صدقهم
(1) سبل الهدى والرشاد في سيرة خير العباد 4/ 214 دار الكتب العلمية بيروت.
(2) فتح الباري 6/ 42، وعمدة القاري 14/ 142.