ليبلغ فاه، وما هو ببالغه؛ ذلك أنّ هذه الأمة لا تموت بموت رجالها، بل إنّ الله يهيّئ لها من الخلف ما يجدِّد به ذكرَ السلف، ويرزقها من حيث لا تحتسب ولا يحتسب أعداؤها:
إِذا ماتَ مِنّا سَيِّدٌ قامَ بَعدَهُ ... نَظيرٌ لَهُ يُغني غِناهُ وَيُخلِفُ
وحين يغتال العدو بطلًا صنديدًا تنبعث روحه ومبادئه في نفوس الكثيرين، ويصبح قتله وبالًا على المجرمين القاتلين، ويعرفه حقَّ المعرفة من لم يكن يعرفه، ويُعجب به من لم يكن يوليه عنايتَه، ويظلّ رمزًا في نفوس الناس لكل مبدأ من مبادئه؛ فتحيا مبادئه، ويكون الأعداء وسيلة لنشرها، من حيث أرادوا وأدها. وأخيرًا فلا حزن ولا جزع، وكما قال عمر: قتلانا في الجنة وقتلاهم في النار، والله غالب على أمره، وهو المستعان ... وانقلها دررًا من فم هذا البطل من أبطال الإسلام .. أنهي بها الحديث عنه؛ والذي لا يطاوعني للانتهاء .. يقول الرجل: «السر يكمن في الإرادة، وإيمان الإنسان بالمبدأ الذي يسير عليه، فالدنيوي يقول: لو أن الدنيا ذهبت فقد خسرت كل شيء، لكن الإنسان المؤمن الذي يؤمن أنه ذاهب إلى جنة عرضها السموات والأرض يريد أن ينتقل من دنيا فانية إلى الراحة والطمأنينة والاستقرار عند رب العالمين، فهو ينتظر هذا اليوم، ويستبسل ويقاتل من أجل الفوز في هذا اليوم، ويثبت في الميدان حتى آخر رمق في حياته [1] » توقيع: الشيخ أحمد ياسين.
فأين من ملكوا الصحة والمال والفراغ والعقول من قضية الإسلام .. كان شيخي دائما ما يقول أن السبب الأول في انهزامنا بعد عزة؛ هو أن الدين في حياتنا رفاهية، أو واجب يومى، وإن ارتقى قليلا فهو حاجة نقضيها كباقي حاجاتنا .. ولو كان الدين كما كان في حياة سلفنا الصالح قضية حياةٍ أو موت، لما انهزمنا وذهبت ريحنا ... هؤلاء الذين نتحدث عنهم كانوا قلةً في العَدد والعُدد .. فقراءَ .. منبوذين من أوطانهم، ومحاربين من مواطنيهم؛ بل وذويهم .. ولكن المعادلة ترجح بكفة الإيمان والصبر واليقين، لتبرز جيلا فريدا للبطولة والرجولة .. يظل النبراس والملهم لأجيال الرجولة بعدُ في أمةٍ نبيها وقائدها الرجل الأعظم والبطل المقدم محمد صلى الله عليه وسلم ...
و في هذا المعنى من معاني الرجولة أذكر أنه في غزوة أحد (انتهى أنس بن النضر- عم أنس بن مالك- إلى جماعة من الصحابة، قد ألقوا بأيديهم، فقال لهم: ما يجلسكم؟ قالوا: قتل رسول الله
(1) المرجع نفسه 199/ 34. 56