يَضرِبون في مَهامِهِ [1] حياتِهم على غيرِ نورٍ ولا هدًى من ربهم، كما ضَرَب الله المَثَل لأولئك المُظلِمة قلوبُهم، وحياتُهم، وأعمالُهم، وأرواحُهم، وأخلاقُهم، وكلُّ شؤونِهم: {أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ} [النور: 40] .
فإذا خرجوا بتدبرِ القرآنِ وفهمِهِ، ومداواةِ قلوبِهم ونفوسِهم بدوائه من ظلماتِ التقليدِ الأعمى، وأهواءِ الرؤساءِ، وشهواتِ النفوسِ البهيمية، فبَرِئَت تلك النفوسُ وطهُرت هذه القلوبُ، واتَّقد فيها مصباحُ الإيمان، وأخذ يستمدُّ ضوءَه ونورَه من هدايةِ هذا القرآن - خرجوا {بِإِذْنِ رَبِّهِمْ} ، وتوفيقِ مربِّيهم، ومالكِ أمرِهم، ومدبِّر جميعِ شؤونِهم بربوبيَّته وعدلِه وحكمتِه، من حياةِ البؤسِ والشقاءِ الذي كان قد حاق بهم من سلوكِهم في حياتِهم وشؤونِهم الدينيةِ والدنيويةِ الطرقَ الملتوية والسراديب المظلمة التي اضطرَّهم إليها ارتكاسُهم في هذه الظلماتِ، وألجأهم إليها تخبطُهم في التقليدِ الذي قضى على إنسانيتِهم الرشيدة - خرجوا إلى جادَّة الصراطِ المستقيمِ؛ لا يَلتَوِي بهم طريقٌ، ولا يَضِيق عليهم سبيلٌ، ولا تَخفَى عليهم غايةٌ، ولا يَلتَبِس عليهم أمرٌ، يَنفُذُون إلى مقصدِهم في كلِّ شأنِهم الديني والدنيوي على بيِّنة ونورٍ كالقذيفةِ المسدَّدة؛ لأنهم يأخذون سبيلَهم بإذن وتوفيقِ وتسديدِ العزيزِ الغالبِ القاهرِ فوق عبادِه، الحميدِ الذي لا يكونُ منه - سبحانه - إلا ما يستحقُّ به الحمدَ والثناءَ؛ لأن كلَّه حسنٌ وجميلٌ من علمٍ وحكمةٍ ورحمةٍ.
وكيف لا يكون ذلك كذلك، والذي سيأخذُ بأيديهم إلى هذا السدادِ والاستقامة هو: {اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ} [إبراهيم: 2] ، ومَن ذا الذي يقدرُ أن يعطيَهم ذلك إلا اللهُ الذي كلُّ ما في السموات من كواكبَ وملائكة، وكلُّ ما في الأرضِ من ناطقٍ وصامتٍ، وما في باطنِها من جامدٍ وسائلٍ، وكلُّ ما تُخرِجه من نباتٍ ومعدِنٍ، وما على ظهرِها من حيوانٍ وإنسانٍ، كلُّ ذلك تحتَ قهرِ اللهِ ومُلكِه وتدبيرِه وسلطانِه النافذِ، إنما أمرُه في هذا جميعِه إذا أراد شيئًا أن يقول له: كن فيكون.
(1) متاهات الصحراء؛ (لسان العرب) .