وهذا صريحٌ بلفظِه العربِيِّ في أن الرسولَ - صلى الله عليه وسلم - يَملِكُ الدنيا والآخرةَ، بل هما بعضُ ما جاد به، وأن علمَ اللوحِ المحفوظِ من بعضِ علمِه، وعلمه أوسعُ من ذلك، وأنه - لذلك - الملاذُ والملجأُ الأوحدُ للشاعرِ، عند حدوثِ حوادثِ الآخرةِ، إذا زَلزَلت الساعة زلزلتَها العظيمةَ التي حين يراها الناسُ تَذهَل كلُّ مرضعةٍ عما أَرضَعَت، وتَضَع كلُّ ذاتِ حملٍ حَمْلَها، وتَرَى الناسَ سُكَارَى وما هم بسُكَارَى، ولكنَّ عذاب الله شديدٌ، وكان ينبغي أن تكونَ الآيةُ من سورةِ الحج: ولكنَّ عذابَ محمَّدٍ شديدٌ، وليس أبلغَ من هذا في تكذيبِ الله ورسولِه، ولا أشنعَ في الكفر من هذا.
وإنما سُقنَا هذا على سبيل المثال، وإلا ففي أشعارِهم، ومؤلَّفاتِ موالدِهم، وكتبِ أورادِهم وأحزابِهم ما هو أعظمُ من هذا، وأعظمُ بلاءً وكفرًا، وهو رائجٌ في الناسِ أعظمَ من رواجِ القرآن والبخاري ومسلم، يحفظونه عن ظهرِ قلبٍ، ويتعبَّدون به أشدَّ من تعبُّدهم بتلاوةِ وتدبرِ آيات الذِّكر الحكيم.
والله يقول - ويكرِّر القول ويؤكِّد: {قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا} [الكهف: 110] .
{وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ} [الأنبياء: 34] .
ويقول: {أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقَى فِي السَّمَاءِ وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَابًا نَقْرَؤُهُ قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَرًا رَسُولًا} [الإسراء: 93] .
والرسول - صلى الله عليه وسلم - يكرِّر ذلك ويؤكِّده.
ففي الصحيحين: (( إنما أنا بشرٌ أَنسَى كما تَنسَون، فإذا نَسِيت فذكِّروني ) ) [1] .
(( إنما أنا بشرٌ، وإنكم تَختَصِمون إلِيَّ، ولعل بعضَكم أن يكونَ أَلْحنَ بحجَّتِه من بعضٍ وأَقضِي له على نحوٍ مما أسمعُ ) ) [2] ، وغير ذلك كثيرٌ جدًّا لا يُحصَى، ويوحِي الله إليه أن يحذِّرَ المؤمنين
(1) أخرجه البخاري برقم (392) ومسلم برقم (572) .
(2) أخرجه البخاري برقم (6566) ومسلم برقم (1713) .