فهرس الكتاب

الصفحة 99 من 231

الصراطِ وأعلام الهدى، ولا يكونُ أقرب ولا أيسر على الشيطانِ من أن يأخذَ طريقَه على هؤلاءِ الأنبياءِ، راكبًا مطيةَ ما لهم في النفوسِ من الإجلال والمحبة، فيوحِي إلى أوليائه أن يُغَالوا في شخصِ الرسولِ - صلى الله عليه وسلم - ويُبَالِغُوا في هذا الغلوِّ، وهم واجدون من قلوبِ العامَّة لذلك البهرجِ والسمِّ والمزاف في الدسمِ إصغاءً وقَبولًا، فما يزالون بهم حتى يُخرِجُوهم عن دائرةِ البشرية، إلى دائرةٍ أخرى وهمية خيالية، لا حقيقيةَ لها ولا وجودَ في الواقعِ ونفسِ الأمر، هي بنوةُ اللهِ في صورٍ شتَّى، منها: أنهم النورُ الذي فاض من اللهِ أولًا، فخُلِقَت منه الأكوان، فإذا بَلَغوا بهم إلى ذلك، فقد نَالُوا منهم مأربَهم، ووَصَلوا إلى غايتِهم التي لها يَعمَلون، وإليها يَسعَون جاهدين، والتي قد تخصَّص الشيطانُ فيها منذ القِدَمِ، فأتقنها بأفانينِه من الأمانيِّ الكاذبةِ والمخادعةِ، والتغريرِ ومكر السيِّئ، تلك الغايةُ هي تكذيبُ اللهِ ورسلِه في أن هؤلاءِ بشَرٌ مثلُ كلِّ البشر، تفضَّل الله عليهم فاصطفاهم لرسالته، ثم يَخرُجُون من هذا التكذيبِ - الذي يلزم منه ولا بدَّ الكفرُ باللهُ وكتبِه ورسلِه - إلى اتخاذِهم آلهةً من دونِ اللهِ، ويَخلَعُون عليهم كذبًا وبهتانًا من صفاتِ الربوبيةِ، ما سيأتيك بيانُه إن شاء الله.

وقد تَمَّ للشيطانِ وحزبِه كلُّ ما أرادوا مما نصبوا أنفسَهم له منذ الخَلقِ الأولِ؛ من تغييرِ خلقِ الله، والفسوقِ عن سننِ الله وآياته وشرائعه، والقعودِ على صراطِه المستقيم، وعاد أكثرُ الناسِ كافرًا غير شاكرٍ، ظالمًا غير عادلٍ، غاويًا غير راشدٍ، جاهلًا عدوًّا للعلم، ضالاًّ عدوًّا للهدى، سفيهًا عدوًّا للحكمة.

وعندئذٍ يكون أيسر اليسير على الشيطان وحزبِه أن يَأخُذوا بأولئك الغاوِين الجاهلين السفهاءِ إلى كلِّ مهلكةٍ، مصدِّقين ما يَعِدُهم به من غرورٍ وأمانيَّ كاذبةٍ، ويبلغُ من سلطانِه عليهم بهذا الجهل والغيِّ والسفهِ أن يتَّخِذ منهم أعداءً ألدَّاءَ لرسلِ اللهِ وكتبِه، ويغرهم أنهم إنما يَدِينُون دينَ الباطلِ والكفر والتكذيب للهِ ولكتبِه ورسله؛ تعظيمًا لأولئك الأنبياء والصالحين، بما يتغنَّون به صباحًا ومساءً، وسرًّا وجهرًا من مثل:

يَا أَشْرَفَ الْخَلْقِ، مَا لِي مَنْ أَلُوذُ بِهِ = سِوَاكَ عِنْدَ حُدُوثِ الْحَادِثِ الْعَمَمِ

فَإِنَّ مِنْ جُودِكَ الدُّنْيَا وَضَرَّتَهَا = وَمِنْ عُلُومِكَ عِلْمَ اللَّوْحِ وَالْقَلَمِ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت