فهرس الكتاب

الصفحة 140 من 231

عنها كلَّ أنواعِ القَذَر والخبث، فضلًا عن خبث الزنا وفُحْشِه، فقال - سبحانه: {الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ أُولَئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ} [النور: 26] .

قال الإمام المحقِّق ابن القيم - رحمه الله - في فاتحةِ زاد المعادِ:

والمقصود: أن الله - سبحانه وتعالى - اختار من كلِّ جنسٍ من أجناسِ المخلوقاتِ أطيبَه، واختصه لنفسِه، وارتضاه دونَ غيرِه؛ فإنه - تعالى - طيِّب لا يُحِبُّ إلا الطيِّب، ولا يَقبَل من العملِ والكلامِ والصدقةِ إلا الطيِّب؛ فالطيب من كلِّ شيءٍ هو مختارُه - تعالى - وأما خَلْقُه - تعالى - فعامٌّ للنوعينِ، وبهذا يُعلَمُ عُنْوَان سعادةِ العبدِ وشقاوتِه.

فإن الطيِّب لا يناسبُه إلا الطيِّب، ولا يَرضَى إلا به، ولا يَسكُن إلا إليه، ولا يَطمَئِنُّ قلبُه إلا به؛ فله من الكلامِ الكلامُ الطيِّب الذي لا يَصعَد إلى اللهِ - تعالى - إلا هو، وهو أشدُّ شيءٍ نفرةً: عن الفحشِ في المقالِ، والتفحُّش في اللسانِ، والبَذاءِ، والكَذِب، والغِيبَة والنَّمِيمَة، والبُهْت، وقولِ الزورِ، وكلِّ كلامٍ خبيث، وكذلك لا يَألَفُ من الأعمالِ إلا أطيبَها، وهي الأعمالُ التي اجتَمَعت على حُسنِها الفِطرُ السليمةُ من الشرائع النبويَّة، وزكَّتها العقول الصحيحة، فاتَّفق على حسنِها الشرعُ والعقلُ والفطرةُ، مثل: أن يَعبُدَ اللهَ وحدَه لا يُشرِكُ به شيئًا، ويُؤثِرَ مرضاتِه على هواه، ويتحبَّبَ إليه بجهدِه وطاقتِه، ويُحسِن إلى خلقِه ما استطاع:

فيَفْعَل بهم ما يُحِبُّ أن يَفعَلوا به، ويُعَامِلهم بما يُحِبُّ أن يُعَامِلُوه به، ويدَعهم مما يُحِبُّ أن يَدَعُوه منه، ويَنصَحَهم بما يَنصَحُ به نفسَه، ويَحكُم لهم بما يُحِبُّ أن يَحكُمُوا له به، ويَحمِل أذاهم ولا يَحمِّلهم أذاه، ويكفُّ عن أعراضِهم، ولا يُقَابِلُهم بما نَالُوا من عِرْضِه، وإذا رأى لهم حسنًا أذاعه، وإذا رأى لهم سيئًا كَتَمه، ويُقِيم أعذارَهم ما استطاع فيما لا يُبطِلُ شريعةً، ولا يُنَاقِضُ للهِ أمرًا ولا نهيًا، ولا يَرضَى أيضًا من الأخلاقِ إلا أطيبَها وأزكاها؛ كالحِلْمِ، والوقارِ، والسكينةِ، والرحمةِ، والصبرِ، والوفاءِ، وسهولة الجانب، ولِين العَرِيكَة، والصدق، وسلامة الصدر من الغلِّ والغشِّ والحقدِ الحسدِ، والتواضع، وخَفْضِ الجَنَاح لأهل الإيمانِ، والعزَّة والغِلْظَة على أعداءِ اللهِ، وصيانةِ الوجهِ عن بذلِه وتذلُّلِه لغيرِ اللهِ، والعفَّة، والشجاعةِ، والسخاءِ، والمروءةِ، وكل خُلُقٍ اتَّفقت على حسنِه الشرائعُ والفِطَرُ والعقولُ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت