فهرس الكتاب

الصفحة 141 من 231

وكذلك لا يَختَارُ من المطاعمِ إلا أطيبَها، وهو الحلالُ الهَنِيء المَريء، الذي يغذِّي البدن والرُّوحَ أحسنَ تغذيةٍ، مع سلامة العبد من تبعتِه.

وكذلك لا يَختَارُ من المناكحِ إلا أطيبَها وأزكاها، ومن الروائحِ إلا أطيبَها وأزكاها.

ومن الأصحابِ والعُشَراءِ إلا الطيِّبين منهم؛ فرُوحُه طيِّب، وبَدَنُه طيِّب، وخُلُقه طيِّب، وعملُه طيِّب، وكلامُه طيِّب، ومَطعَمُه طيِّب، ومَشرَبُه طيِّب، ومَلبَسُه طيِّب، ومَنكحُه طيِّب، مَدخَلُه طيِّب، ومَخرَجُه طيِّب، ومُنقَلَبه طيِّب، ومَثوَاه كلُّه طيِّب.

فهذا ممن قال الله - تعالى - فيه: {الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلَامٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} [النحل: 32] ، وهذه الباءُ تَقتَضِي السببيةَ؛ أي: بسببِ طِيبكم ادخلوها.

وقال - تعالى: {الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ} [النور: 26] .

وقد فسِّرت الآيةُ بأن الكلماتِ الخبيثاتِ للخبيثينِ، والكلماتِ الطيِّبات للطيِّبين، وفسِّرت بأن النساءَ الطيِّباتِ للرجالِ الطيِّبين، والنساءَ الخبيثاتِ للرجال الخبيثين، وهي تَعُمُّ ذلك وغيره.

فالكلماتُ والأعمالُ والنساء الطيِّبات؛ لمُناسِبِها من الطيِّبين، والكلماتُ والأعمالُ والنساءُ الخبيثاتُ لمناسبِها من الخبيثين.

فالله - سبحانه وتعالى - جعَل الطيِّب بحذافيرِه في الجنةِ، وجعل الخبيثَ بحذافيرِه في النارِ، فجعل الدُّورَ ثلاثةً:

دارًا أُخلصت للطيِّبين، وهي حرامٌ على غير الطيِّبين، وقد جَمَعت كلَّ طيِّب، وهي الجنة.

ودارًا أُخلصت للخبيثين والخبيثاتِ، ولا يَدخُلُها إلا الخبيثون، وهي النار.

ودارًا امتَزَج فيها الطيِّب والخبيث وخُلِط بينهما وهي هذه الدارُ؛ ولهذا وَقَع الابتلاءُ والمِحْنَة، بسببِ هذا الامتزاجِ والاختلاطِ، وذلك بموجبِ الحكمةِ الإلهيةِ؛ فإذا كان يومُ معادِ الخليقةِ ميَّز الله الخبيثَ من الطيِّب، فجعَل الطيِّب وأهلَه في دارٍ على حِدَةٍ، لا يُخَالِطُهم غيرُهم، وجعَل الخبيثَ وأهله في دارٍ على حِدَةٍ لا يُخَالِطُهم غيرُهم.

فعادَ الأمرُ إلى دارينِ فقط: الجنة، وهي دارُ الطيِّبين، والنارِ، وهي دار الخبيثين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت