فهرس الكتاب

الصفحة 142 من 231

وأنشأ الله - تعالى - من أعمالِ الفريقينِ ثوابَهم وعقابَهم؛ فجعَل طيِّبات أقوالِ هؤلاء وأعمالِهم وأخلاقِهم هي عينَ نعيمِهم ولذَّاتِهم، أنشأ لهم منها أكملَ أسبابِ النعيمِ والسرورِ، وجَعَل خبيثاتِ أقوالِ الآخرين وأعمالَهم وأخلاقَهم هي عينَ عذابِهم وآلامِهم، فأنشأ لهم منها أعظمَ أسبابِ العقابِ والآلامِ.

حكمةٌ بالغةٌ، وعزَّة باهرةٌ قاهرةٌ؛ ليَرَى عبادُه كمالَ ربوبيتِه، وكمالَ حكمتِه وعلمِه وعدلِه ورحمتِه، وليعلَم أعداؤه أنهم كانوا هم المفترِين الكذَّابين، لا رسلُه البَرَرة الصادقون.

قال - تعالى: {وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ بَلَى وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ * لِيُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ كَانُوا كَاذِبِينَ} [النحل: 38، 39] .

والمقصودُ أن الله - سبحانه - جعل للسعادةِ والشقاوةِ عنوانًا يعرفان به:

فالسعيدُ الطيِّب لا يَلِيق به إلا طِّيب، ولا يأتي إلا طيبًا، ولا يَصدُر منه إلا طيِّب، ولا يُلابِس إلا طيبًا.

والشقيُّ الخَبِيث لا يَلِيق به إلا خبيث، ولا يأتِي إلا خبيثًا، ولا يَصدُر منه إلا الخبيث؛ فالخبيث يتفجَّر من قلبِه الخبثُ على لسانه وجوارحِه، والطيِّب يتفجَّر من قلبِه الطِّيبُ على لسانه وجوارحِه.

وقد يكون في الشخصِ مادَّتانِ، فأيُّهما غَلَب عليه كان من أهلِها، فإن أراد الله له خيرًا طهَّره من المادَّة الخبيثة قبل الموافاةِ، فيُوَافِيه يوم القيامةِ مطهَّرًا، فلا يحتاج إلى تطهيرِه بالنار، فيطهِّره منها بما يوفِّقه له من التوبةِ النصوحِ، والحسناتِ الماحيةِ، والمصائب المكفِّرة، حتى يلقى اللهَ وما عليه خطيئةٌ.

ويُمسِك عن الآخرِ موادَّ التطهيرِ، فيَلقَاه يوم القيامة بمادَّة خبيثةٍ ومادَّة طيِّبة، وحكمتُه - تعالى - تأبَى أن يُجَاوِرَه في دارِه بخبائثه، فيُدخِله النار طُهرةً له وتصفيةً وسبكًا؛ فإذا خَلَصت سبيكةُ إيمانِه من الخبثِ، حينئذٍ حقَّ له جوارُه، ومساكنةُ الطيِّبين من عبادِه.

وإقامةُ هذا النوعِ من الناسِ في النارِ على حسَبِ سرعةِ زوالِ تلك الخبائثِ منهم وبطئِها؛ فأسرعُهم زوالًا وتطهُّرًا أسرعُهم خروجًا، وأبطؤهم أبطؤهم خروجًا؛ جزاءً وفاقًا، وما ربك

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت