هذه دعوة إبراهيم لساكنِي مكَّة وواديها، وهي كغيرِها من دعواته - عليه الصلاة والسلام - قد تبدَّل كلُّ شيءٍ فيها عند الكثير من الناس، على عكس ما دعا إبراهيمُ وسأل ربَّه في هذه الذلَّة والمسكنةِ والضراعةِ والخشيةِ والإلحاح؛ فقد اتَّخذوا الأصنامَ، ولصقوا بها أشدَّ اللصوق، حتى حلَّت من قلوبهم أرفعَ مكان، وأقاموا شؤونَهم على توثيق الصلات بها وبهياكِلها؛ ففي الجاهلية الأولى بما سَمَّوا لإبراهيمَ وإسماعيلَ وكبشِ الفداء، واللاتِ والعزى ومناةَ الثالثة الأخرى، من صورٍ وتماثيلَ يطوفون بها، وعليها يعكفون.
وفي الجاهلية الثانية بما سمَّوا وأقاموا لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولخديجةَ وميمونةَ، وابن عبَّاس، وغيرهم - رضي الله عنهم - من قبابٍ ومقاصيرَ، وما نَصَبوا عندها من أنصابٍ هي بعينِها ما كان للجاهليةِ الأُولى، ولا يؤثِّر شيئًا اختلافُ الأسماءِ؛ فالأهواءُ هي الأهواءُ، والدعاء هو الدعاء، والنَّذر هو النَّذر، والعقيدة هي العقيدة: {إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى} [النجم: 23] .
فأعرَضوا عن العلمِ والهدى، واتَّبعوا الأهواء والظنون الكاذبة، فأَولى - ثم أَولى بعد ذلك - أن يضيِّعوا الصلاةَ، وأن يَقلِبوا دعوةَ إبراهيم بها رأسًا على عقبٍ، وأن يَجعَلُوا البيت الحرام متجرًا أو سلعةً ومغنمًا، وألا يكونَ لهم من مجاورة هذا البيتِ، وسكنَى هذا الوادي إلا التلهُّفُ أشدَّ اللهفة على الغنائم والسلع، كشأن قريشٍ سواء بسواء.
ولم يبقَ مؤمنًا بدعوةِ إبراهيم على وجهِها الصحيحِ إلا النَّزْر القليلُ، الذي نسأل الله أن يبارِك فيهم وينمِّيَهم، ويشدَّ من أزْرِهم على يدِ أهل التوحيد؛ ليصبح هذا القليلُ هو الكثيرَ الغالب، فتعود مكةُ منارَ الإسلام، يَهتِدي به الضالُّون، ويَقتَبِس من مشكاته الحائرون، فلعل سفينةَ الإسلامِ أن تخرجَ بهذا الهدى من بحرِ هذه الظلمات التي تلاطمت بها أمواجُه الطاغيةُ، واشتدَّت بها عواصفُه الهائجة؛ فتصل إلى برِّ السلامة والعافية، ويعود إلى المسلمين عزُّهم الغابر، ومجدهم الأوَّل، الذي أفادوه من هذا البلدِ الأمينِ ومن بيت الله المحرَّم، الذي جعله اللهُ مبارَكًا وهدًى للعالَمين، إذا عَقَلوا هذه البركةَ على وجهِها، وعَرَفوا هذا الهدى على حقيقتِه، كما عَرَفه وعَقَله المؤمنون الأوَّلون، والتوفيق بيدِ الله، ولا حولَ ولا قوَّة إلا بالله.