القذرة، وعَلِموا عندئذٍ أنهم كانوا مُجرِمِين في حقِّ أنفسهم أعظمَ إجرام باتِّباعِهم الآباءَ والشيوخَ والسادةَ والرؤساءَ، وأنهم غشُّوا أنفسَهم أعظمَ غشٍّ، وخانوها أكبرَ خيانةٍ حين لم يَعقِلُوا الأمثال التي ضربَها الله لهم في أنفسِهم وفي غيرهم ممن هم أمثالهم؛ إذ أَعرَضُوا عن آياتِ اللهِ الكونية والقرآنية، فلم يتدبَّروها ولم يَفهَمُوها، مصدِّقين أولئك الخَوَنة الذين كانوا يصدُّونهم عن ذلك، ويَزعُمون لهم أن ذلك حرامٌ؛ لأنهم عوامُّ، وأنه يجب على مَن يدْعونه العاميّ أن يكفر بنعمةِ الله في كتابه ورسوله، وفي سمعه وبصره وعقلِه، وإنسانيتُه التي وهبها الله له مساويةٌ في كلِّ مزاياها الإنسانية كلَّ عالِم وكلَّ مهتدٍ إلى صراطِ الله المستقيمِ، وزعَموا لهم أن الواجبَ أن يَعتَقِدوا أن الله ظلَمهم إذ مَنَعهم ما وهَب غيرَهم من مزايا الإنسانيةِ التي تَعقِل وتَفهَم عن اللهِ وعن رسولِه، التي تَعرِف دينها وسبيلَها إلى ربِّها وآخرتها على علمٍ وبصيرةٍ، لَمَّا انكَشَف ذلك للمقلِّدين يومَ جاءهم هذا العذابُ الواصبُ من اللهِ العزيز الحكيم، ورَأَوا أن شيوخَهم وسادتَهم ومتبوعيهم - الذين غرَّرُوا بهم، وخانوهم في الدنيا، سيعذِّبهم الله بما حملوا من أوزارِ مَن أضلُّوهم - قد تبَرَّؤوا منهم حين ضاعف الله عليهم العذاب ليخفَّفَ عنهم ت. سع؛ تبَرَّأ التابعون أيضًا منهم وقالوا: {لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّؤُوا مِنَّا} [البقرة: 167] ، ونكسرَ ما وَضَعوا في أعناقنا من أغلالِ التقليد، ونُطلقَ إنسانيتَنا العاقلةَ مما قيَّدوها به من الأوهامِ الباطلةِ، ونعطيَها الحريَّة في التفكير في آيات الله الكونية، والتدبُّر لآياته العلميةِ القرآنيةِ، ونتركَها تبحثُ - بإيمانِها بربِّها ولقائه وحسابه، وخوفِها من أليم عذابِه - عن سبيل الرسول - صلى الله عليه وسلم - الذي لا نجاةَ ولا سعادة إلا به؛ فإنه هو المعصوم عن الخطأ واتِّباع الهوى، برعايةِ الذي أرسله شاهدًا ومبشرًا ونذيرًا وداعيًا إلى الله بإذنه وسراجًا منيرًا، والذي ضمن السعادةَ في الدنيا والآخرةِ ت. سع لمن اتَّبعه على بصيرةٍ وعلمٍ، وألزم الشقاوةَ والتبارَ مَن تنكَّبه بغباوتِه وعمَى بصيرتِه، مهما زَعَم لنفسِه - وزعَم له شيطانُه - أنه من المُهتَدِين الناجين.
فيقال لهم:
• {أَوَلَمْ تَكُونُوا أَقْسَمْتُمْ مِنْ قَبْلُ مَا لَكُمْ مِنْ زَوَالٍ} [إبراهيم: 44] ؛ أولم تكونوا أَقسَمتُم جهدَ أيمانِكم: إنا لن نتحوَّل عن هذه المذاهبِ والطرقِ الصوفيةِ والعقائدِ التي لا يأتيها الباطل