فهرس الكتاب

الصفحة 214 من 231

الغافلين الظالمين لأنفسِهم بالجهلِ، والتقليد الأعمى، والانسلاخِ من آيات الله، فكنتم - بما تحدِّثكم به مساكنُ الذين ظَلَموا أنفسهم - صمًّا وبكمًا وعميًا، لا تفكرون ولا تعقلون ولا تَرْجُون للهِ وقارًا، مَخدُوعين من الأسماءِ والصورِ التي كنتم تتوهَّمونَها بجهلِكم، وها هي اليومَ صارت هباءً، لا تُغنِي عنكم من عذابِ اللهِ شيئًا، كما كان مَن يَسكُنُون مساكنَكم مخدوعين، وما صَرَعهم الله ودمَّر عليهم إلا بهذا الغرورِ وهذه الغفلة التي كنتم في بحرِها غارقين!

فكلُّ قطرٍ وبلدٍ على وجهِ الأرض يسكنُه الناسُ اليوم، يَظلِمون أنفسَهم فيه أشدَّ الظلمِ - بما يمثِّلونه شركًا وفسادًا - ويَعِيثُون فيه بغيًا وظلمًا، ويعلنون بالكفرِ والفسوقِ والعصيانِ، ويُحكِّمون فيه الطاغوتَ في دينِهم ودنياهم وكلِّ شؤونِهم، ويتَّخذون آياتِ الله هزوًا، مُعرِضِين عن الكتابِ الحكيم، وعن هَدْي الرسولِ الكريمِ - صلى الله عليه وسلم - لا حظَّ لهم من السنن الكونية إلا حظُّ البهائم والأنعام، بل أخسُّ وأرذلُ، ولا صلةَ لهم بالقرآنِ الكريمِ إلا بَذْلُ كلِّ ما في نفسِهم الظالمةِ من محاربةٍ، وقتلٍ، وإطفاءٍ لنورِه، وأمانةٍ لشرائعِه وأحكامِه وآدابِه، والطعنِ في صدوره، وإعجازه، ونُذُرِه، ومواعظِه، وعِبَرِه ت. سع، اصطلح على ذلك كلُّ طبقاتِهم، وتواضَع عليه السادةُ والمَسُودُون، والخاصة والعامة، إلا النادر القليل ممن يَعِيشُون غرباءَ مَمْقُوتين من الجمهورِ الغالب، لا تُسمَع لهم نصيحةٌ، ولا تُستَجَاب لهم دعوةٌ، وهم قائمون على شأنِهم مستمسكون بأسبابِ قطيعةِ وعداوةِ الناسِ لهم، حتى يأتيَهم أمرُ اللهِ وهم على ذلك، فَرِحون بما آتاهم من فضلِه ورحمتِه وهُدَاه.

ها أنت ترى المصريين يَسكُنُون مساكنَ الفراعين، الذين ظلموا أنفسَهم بالبغي والشركِ والفسوقِ والعصيانِ، وآياتِ ما كانوا فيه من أسبابِ القوَّة، مما أعطاهم اللهُ من أسبابِ القوةِ، والمكر والاحتيال، وفنون العمران؛ من نحت الأحجارِ، وهندسةِ البناءِ، مما تقوم الأهراماتُ والمقابرُ دليلًا عليه؛ فهل أغنى من ذلك عنهم من عذابِ اللهِ، وهل غلَب مكرُهم مكرَ الله، وهل قدروا بما كان عندهم من الفنونِ والهندسةِ، والغنَى الواسعِ، والسلطان الظالم، الذي كان به كلُّ أهل مصرَ عبيدًا لهم - أن يسبقوا عذابَ الله، وينجوا من الغرقِ والموتِ بالماء الذي كانوا يَفخَرون أنه مسخَّر لهم، ومذلَّل لأمرِهم: {أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي} [الزخرف: 51] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت