فهرس الكتاب

الصفحة 215 من 231

ألم يُهلِك الله هذا الشعبَ المصري، ويُذِيقْه ألوانَ العذاب؛ لأنه كفَر بالله وآياتِه ونعمِه، وطرَح نفسَه ذليلًا واهنًا منحلاًّ تحت أقدامِ سادتِه وفراعينِه، لاهيًا عن ظلمِهم وبغيِهم بما يَمكُرون ويَضحَكُون، ويُقِيمون عليه من مهرجاناتٍ يسمُّونَها لهم دينيَّة وغير دينيَّة، وحفلاتٍ أَكرَهُوا السحرةَ أن يُقِيمُوها؛ لتوثيقِ أغلالِ العبوديةِ في أعناق العامَّة للسادة أو الرؤساء؟

فهل عَذَرهم الله وعَفَا عنهم؛ لأنهم كانوا عامَّة جاهلين مغلوبين؟

ألم يَقُل اللهُ لنا عن هؤلاء: إنهم كانوا يَدِينُون دينًا قد أُعجِبوا به أشدَّ الإعجابِ، وحَرَصُوا عليه أشدَّ الحرصِ، وحَاوَلوا دفاعًا عنه قتْلَ موسى رسولِ الله، الذي جاءهم بالحقِّ من عند ربِّهم؛ ليُخرِجَهم من ظلماتِ ما ارتَكَسُوا فيه من الباطلِ والعبوديةِ والعبادة لعبادٍ أمثالِهم، استَطَالُوا عليهم بغيًا وظلمًا، وزَعَمُوا - بغباوتِهم وعماهم - أنهم طبقةٌ ممتازةٌ في أصلِ خلقِهم، ومادَّة تكوينهم؛ لأنهم أبناءُ السماءِ، وأن لهم نسبًا إلى ربِّ العالَمين بما أعطاهم من النور السماوي أو المُلْك، غير أن هؤلاء الأغبياء المقلِّدين صدَّقوا ذلك الكذب، وراج عليهم ذلك الباطلُ، ووَقَعُوا صَرْعَى لطبقةِ الفراعين، يُعطُونَهم من أنفسِهم وأموالِهم الطاعةَ العمياءَ والذلَّ القاتلَ، والخنوعَ والاستسلام، الذي لا يَنبَغِي إلا لربِّ العالَمين، ففَرَضُوا أنفسَهم عليهم أربابًا لا معقِّب لأمرِهم، ولا رادَّ لحكمِهم، ورَضِي الشعبُ الجاهلُ الكافرُ بنعمِ اللهِ وآياته، وخاف الأربابَ الباغين المُفسِدين، ودَانَ بأن لهم بذلك أن يفعلوا ما يشاؤون، ويتركوا ما يشاؤون، لا مسؤوليةَ عليهم ولا حسابَ، مهما فَعَلُوا، أو أحلُّوا، أو حرَّموا؟!

ألم يكن هذا هو الدينَ الذي يَدِين به المصريون، والذي يَزعُمُونه - بكفرِهم وعمَى بصائرِهم - الرشدَ والصلاحَ؛ أما الحقُّ الذي جاءهم به موسى من عند ربِّهم، فهو الغي والفساد؛ إذ يقولُ الله - حكايةً عنهم وعن المتحدِّث عنهم:

{ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ} [غافر: 26] .

{قَالَ فِرْعَوْنُ مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ} [غافر: 29] .

{وَكَذَلِكَ زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوءُ عَمَلِهِ وَصُدَّ عَنِ السَّبِيلِ وَمَا كَيْدُ فِرْعَوْنَ إِلَّا فِي تَبَابٍ} [غافر: 37] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت