فهرس الكتاب

الصفحة 217 من 231

بأنها حسناتٌ وطيباتٌ، وتقبَّلوها القَبولَ الحسنَ، فأَحسَنُوا مصاحبتَها، وشَكَروها وانتفعوا بها فيما جَعَلها الله فزَادُوا بها هدًى على هداهم وقوَّة إيمان، وأَغدَقَ اللهُ عليهم رحمتَه، فأَنْجَاهم من العذابِ والهلاكِ الذي حَاقَ بالكافرين من حولِهم، وكذلك كلُّ البلاد والمدنِ والقرى؛ فإن سكانها يَسكُنُون في مساكنِ قومٍ قد ظَلَموا أنفسَهم بمثلِ ما ظلم قدماءُ المصريين أنفسَهم، وأبقى الله من آثارِ ظلمِهم لأنفسِهم - ومن آثار لعنتِه وعذابِه لهم - ما يراه الساكنون لديارِهم؛ ليَعتَبِروا بهم، وليبحثوا عن طريقِ ظلمِهم وفسادِهم الذي انتهى بهم إلى هذا الهلاكِ والعذابِ؛ فيتنكَّبوه أيضًا، وهم يسكنون كذلك في مساكنِ قومٍ أَحسَنُوا في كلِّ ما آتاهم الله؛ فهُدُوا إلى الطيِّب من القولِ، وهُدُوا إلى صراطِ العزيزِ الحميدِ.

أقام الله كذلك من آثار إحسانِهم، وسجَّل من طيّبِ أعمالِهم وأخلاقِهم، وأثبت من آياتِ هداهم وإنجائه لهم برحمته وفضله - ما يراه ويُحِسُّه سكَّان دُورِهم، وورِثوا أرضَهم؛ ليعتبروا ويعرفوا أن رحمةَ اللهِ قريبٌ من المحسنين.

ألا يقرأُ المسلمون في مشارقِ الأرضِ ومغاربِها سطورَ العبرِ من آثارِ الذين مَضَوا من قبلِهم، ويعرفون أنهم كانوا أغنياءَ بما آتاهم اللهُ أكثرَ من غناهم، وأقوياءَ بما وهبهم الله من الذكاءِ، وسَعَةِ الحيلةِ، وإتقانِ الصنعةِ، وتذليل الأرض والمعادن - أشدَّ من قوَّتهم، وأنه كان عندهم فنونٌ وعلومٌ للدنيا فَرِحُوا بها كما عندهم، وأن كلَّ ذلك لم يَنفَعْهم ولم يُغْنِ عنهم شيئًا، ولم يَعُدْ عليهم بالحياة الطيبةِ والعزَّة، التي كانوا يَبتَغُون ويؤمِّلون - لَمَّا كفروا باللهِ وآياته ونعمه، فلم يكونوا من المؤمنين المحسنين: {لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى} [يوسف: 111] ، ولكنه هو الواقعُ الذي تَشهَد به آثارُهم التي بين أيدي الناس وتحت أبصارِهم وأسماعِهم، ولكن أكثرَ الناسِ لا يعقلون.

ألا يقرأُ المسلمون - في مشارقِ الأرض ومغاربِها - آياتِ الكتابِ الكريمِ، وما قصَّ علينا العليمُ الحكيمُ فيه بعضَ آثار ت. سع الماضين، وضرب لنا فيه وأقام من شؤونهم وسِيَرِهم وسنةِ الله فيهم صورًا بارزة كأنهم قائمون بيننا - ما جعَل أشخاصَ الحاضرين يَكفُرون كفرَهم ويمثِّلون دَورَهم؟ إلا أن الله قد بيَّن لنا - البيان الكافي - أن الأرضَ هي الأرضُ، والليل والنهار هما الليل والنهار، وأن الإنسانَ هو الإنسانُ، وأن الشيطانَ هو الشيطانُ، وأن الإيمانَ هو

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت