فهرس الكتاب

الصفحة 43 من 231

من هذه الحياة إلى حياةٍ أهنأَ وأطيبَ، لو كنتم تَعقِلون عن اللهِ آياتِه، وتَفقَهون كلامَه وعظاتِه، ولكنَّ أكثرَ الناسِ لا يَعقِلون: {إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ} [إبراهيم: 34] .

• وأعجَب أشدَّ العجبِ لهؤلاء، بماذا يردُّون على رسلِ اللهِ: {قَالُوا إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا تُرِيدُونَ أَنْ تَصُدُّونَا عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا فَأْتُونَا بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ} [إبراهيم: 10] ، هذا كلامٌ بعيدٌ أشدَّ البعدِ عن سؤالِ الرسلِ، وهروبٌ من الجوابِ؛ فإنه سؤالٌ واضحٌ مُلزِم أشدَّ الإلزامِ بالإيمانِ باللهِ فاطرِ السمواتِ والأرض، والاستجابةِ لدعوة رسله.

ولكنَّ الذين كفَروا فَهِموا ذلك، وعَرَفوا مقصدَ السؤالِ واستلزامَه لهذا الأمانِ، فخَشُوا أن تتفتَّح له قلوبُ العامَّة التي لم تَفسُد بحبِّ الرياسةِ، ولم تَمُت بالحقدِ والحسدِ الذي أمات قلوبَ السادةِ، فردُّ الرؤساءِ هذا الردَّ البعيدَ عن السؤالِ، إنما هو لتنفيرِ العامَّة عن المرسَلين، بأنهم بشرٌ مثلُكم لا يُرِيدون إلا العلوَّ ومنازعتَنا في الرياسةِ.

وعن دعوتِهم، بأنها تستلزمُ الكفرَ بدينِ الآباءِ، وبالتالي تستلزمُ تقبيحَ ما كان عليه هؤلاءِ الآباءِ؛ تحريشًا للبهيميةِ، وإثارةً لعصبيتِها الجاهلية.

ثم بَالَغوا في الوقاحةِ فَطَلبوا من المرسَلين أيَّ دليلٍ وحجَّة على صدقِهم، وما كان ذلك عن قصورِ ما أعطى الله رسلَه من الآياتِ والمعجزاتِ على بيانِ صدقِهم، وإنما كان ذلك محاولةً لسترِ موقفِهم الفاضحِ أمام العامَّة؛ ليوهِمُوهم بأنهم لا يَمنَعُهم من استجابةِ دعوةِ هؤلاءِ المرسَلين حسدٌ ولا حقدٌ، وإنما يَمنَعُهم حرصُهم على دينِ الآباء الذي قام التقليدُ الأعمى دليلًا على أنه الدينُ، وأن أولئك المرسَلين لم يُقِيموا من الأدلَّة ما يقومُ حجَّةً قويَّةً على صدقِهم.

وهذا شأنُ المجرِمين المضلِّين في كلِّ عصرٍ ومصرٍ أمامَ دعوةِ الرسلِ وورثتِهم، حين يرون السبيلَ قد انفتح لها إلى قلوبِ الناسِ - يشنِّعون ويشوِّشون بمثل هذا الإفك المبين، ولكن الرسلَ الناصحينَ للهِ ولعبادِه لا يؤخَذون بهذا التهويشِ، ولا يضرُّهم هذا التشنيعُ، بل يُلاحِقُون الدعوةَ، ويُتبِعون الحجَّة بالحجَّةِ، صَابِرين مُحتَسِبين؛ لأنهم بَاعُوا أنفسَهم للهِ.

لذلك قالت لهم رسُلُهم: هل نحن إلا بشرٌ مثلُكم، ولكنَّ اللهَ يَمُنُّ على مَن يشاءُ من عبادِه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت