إذ يقول له الذي خلقه وأرسله رحمةً للعالمينَ: {قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا} [الكهف: 110] .
وتراهم مع ذلك من أبعدِ الناسِ عن حديث رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - وهَدْيه.
ولعلَّك تقولُ: إنهم يَقتَنُون نُسخَ البخاري، وربما قَرَؤوا فيها، فلا تنسَ أنهم إنما يَقتَنُونها للبركةِ، كذلك إن قرؤوا فيها، فعلى سبيل البركة فقط، أو تنقيبًا عن كلمةٍ يُزِيغُونها عن موضعِها؛ ليُموِّهوا بها على العوامِّ من مريديهم أن باطلَهم يؤيِّده حديثُ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهي جريمةٌ أشدُّ وأفظعُ.
أما الفقهُ، والعلمُ، ومعرفة العقائد والعبادات والأحكام، فأولئك عنها مُبْعَدُون.
أولئك الذين كَفَروا بنعمِ ربِّهم وآياتِه في أنفسِهم وفي الآفاق، فَانسَلَخوا منها بالتقليدِ الأعمى، وساروا في دينِهم على غير هدًى ولا بصيرةٍ: {كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءً وَنِدَاءً صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ} [البقرة: 171] .
تُنَادِيهم آياتُ اللهِ الكونيةُ والعلميةُ من كل مكانٍ بأن اللهَ ربُّهم، الذي صوَّرهم في الأرحامِ كيف يشاء، ولَطَف بهم، ورَزَقهم وهم أَجِنَّة في هذه الأرحام، كما صوَّر أولياءهم، ولطف بهم ورزقَهم.
وأنه السميعُ البصيرُ، الذي يعلمُ خائنةَ الأعينِ وما تُخفِي الصدور.
وأنه الذي يُجِيب المُضْطَرَّ إذا دَعَاه، ويكشف السوءَ.
وأنه القريبُ الذي يُجِيب دعوةَ كلِّ داع إذا دعاه.
وأنه الذي لا يَشغَله شأنُ عالَم السماءِ عن شأنِ عالَم الأرضِ.
تناديهم آياتُه بكلِّ ذلك، ولكنهم عنها غافلون، بل هم موتى القلوبِ، وطال عليها الأَمَد؛ فقَسَت وتحجَّرت بما أَصَابَها من آفاتِ الجهلِ والتقليدِ، وبما ألقى فيها الشيطانُ من نجسِ الشركِ والوثنيةِ، فاشتدوا عَدْوًا في طاعة الشيطانِ وعبادةِ الطواغيتِ والأوثانِ والأولياءِ والصالحين، الذين نادتهم آياتُ القرآنِ - لو كانوا يسمعون ويعقلون: أنهم عن دعائهم غافلون بما هم فيه من نعيم، وأنهم يوم القيامة يكفرون بشركِهم: {وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ} [فاطر: 14] .