أن أمسى وقد فرغ من حوائج يومه فدعا بسراجه الذي يسرج له من ماله، ثم قام فصلى ركعتين ثم أقعى واضعا رأسه على يديه تسايل دموعه على خده يشهق الشهقة فأقول، قد خرجت نفسه، انصدعت كبده، فلم يزل كذلك ليلته، حتى برق له الصبح، ثم أصبح صائما، قالت فدنوت منه فقلت: يا أمير المؤمنين لشيء ما كان الليلة ما كان منك؛ قال أجل، فدعيني وشأني وعليك وشأنك
قالت، فقلت إني لأرجو أن اتعظ، قال: إذا أخبرك إني نظرت إلي، فوجدتني قد وُليتُ أمر هذه الأمة صغيرها وكبيرها وأسودها وأحمرها ثم ذكرت الغريب الضائع والفقير المحتاج، والأسير المفقود وأشباههم في أقاصي البلاد وأطراف الأرض، فعلمت أن الله سائلي عنهم، وأن محمد - صلى الله عليه وسلم - حجيجي فيهم، فخفت على نفسي خوفا دمعت له عيني ووجل له قلبي، فأنا كلما ازددت لها ذكر ازددت لها وجلا، وقد أخبرتك فاتعظي الآن أو دعي [1] .
455 -يا لك ركضة إلى لفردوس الأعلى
-توبة بن الصمة - رحمه الله -.
تأمل في محاسبة الأخيار كيف يحاسب الواحد منهم على نفسه على أنفاسه؟ أم كيف وصلت بهم الخشية والخوف من الله إلى أن يفارق الواحد منهم الحياة فرقا من عذاب الله،
كان توبة بن الصمة بالرقة، وكان محاسبا لنفسه فحسب فإذا هو ابن ستين سنة فحسب أيامها فإذا هي واحد وعشرون ألف يوم وخمسمائة يوم فصرخ وقال: يا ويلتي؛ ألقى الملك بواحد وعشرين ألف ذنب، كيف وفي كل يوم عشرة آلاف ذنب؛ ثم خر مغشيا عليه فإذا هو ميت، فسمعوا قائلا يقول: يالك ركضة إلى لفردوس الأعلى [2] .
(1) «محاسبة النفس» (رقم 98) ، «تاريخ دمشق» (45/ 197) .
(2) «صفة الصفوة» (ج 4 ص 196) ، «بلوغ الأرب بتقريب كتاب الشعب» (1/ 94) ، «الزهد والرقائق» للخطيب البغدادي (رقم 70) ، و «تنبيه الغافلين وإرشاد الجاهلين» (1/ 46) .