خرجت من مكة إلى بغداد أطلب العلم، فأعطتني أُمِّي أربعين دينارًا، وعاهدتني على الصدق، ولمَّا وصلنا أرض (هَمْدَان) خرج علينا عرب، فأخذوا القافلة، فمرَّ واحد منهم، وقال: ما معك؟
قلت: أربعون دينارًا. فظنَّ أني أهزأ به، فتركني، فرآني رجل آخر، فقال ما معك؟ فأخبرته، فأخذني إلى أميرهم، فسألني فأخبرته، فقال: ما حملك على الصدق؟ قلت: عاهدَتْني أُمِّي على الصدق، فأخاف أن أخون عهدها. فصاح باكيًا، وقال: أنت تخاف أن تخون عهد أُمِّك، وأنا لا أخاف أن أخون عهد الله!! ثم أمر بردِّ ما أخذوه من القافلة، وقال: أنا تائب لله على يديك. فقال مَنْ معه: أنت كبيرنا في قطع الطريق، وأنت اليوم كبيرنا في التوبة، فتابوا جميعًا ببركة الصدق وسببه [1] .
489 -عفونا عنهما بصدقك
-عن الحافظ أحمد بن عبد الله العجلي، قال: رِبْعِيُّ بن حِرَاشٍ، تابعي ثقة، لم يكذب قط، كان له ابنان عاصيان زمن الحجاج، فقيل للحجاج: إنَّ أباهما لم يكذب قط، لو أرسلت إليه فسألتَه عنهما. فأرسل إليه فقال: أين ابناك؟
فقال: هما في البيت. فقال: قد عفونا عنهما بصدق [2] .
490 -أنا أكذب لا أبا لك
قال الشافعي: حدثنا عمي، قال: دخل سليمان بن يسار على هشام بن عبد الملك فقال: يا سليمان من الذي تولى كبره منهم؟
قال: عبد الله بن أبي ابن سلول، قال: كذبت هو علي، فدخل ابن شهاب فسأله هشام فقال: هو عبد الله بن أبي، قال: كذبت هو علي، فقال- الزهري: أنا أكذب لا أبا لك، فوالله لو نادى مناد من السماء إن الله أحل الكذب ما كذبت [3] .
(1) الصفوري: «نزهة المجالس ومنتخب النفائس» (1/ 131) ، وانظر: سيد حسين العفاني: «صلاح الأمة في علو الهمة» (5/ 45) .
(2) الخطيب البغدادي: «تاريخ بغداد» (8/ 433) ، ابن شرف النووي: «بستان العارفين» (ص 14) .
(3) «سير أعلام النبلاء» (5/ 339)