قوله:"فإن لم تطعك الأمارة".
أقول: لما أمر السالك بالاستغفار عن الخاطر القبيح -وقد تقرر أن النفس أمارة بالسوء مائلة إلى الشهوات- فقال: الأمر كذلك إلا أنها أعدى عدوك، فجاهدها -كما تجاهد عدوك الساعى في إزالة حياتك الفانية- بالطريق الأولى: لأنها تزيل حياتك الأبدية، فإن أعانك اللَّه، فغلبت، فذاك التوفيق، والمرام، وإن غلبت هي، فبادر إلى التوبة، فإنها نعم المعونة، والحصن الحصين لا نعمة -بعد الإسلام- أجل منها: لأنها تجب ما قبلها على ما نطق به الحديث الصحيح [1] .
فإن عجزت عن دفع شر الأمّارة، وقَلَّت حيلتك ذكِّرْها بهاذم اللذات، ومفرق الجماعات واتل عليها: {كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ} [آل عمران: 185] فإنه لا عنان أكبح من ذلك، ولا دواء أنجع منه، ولذلك قال المؤيد
(1) الأحاديث الواردة في التوبة، وغفران الذنوب كثيرة لا تحصى منها: حديث عمرو بن العاص عند أحمد في قصة إسلام عمرو، وخالد بن الوليد رضي اللَّه عنهما وفيه: فقدمنا على رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، فقدم خالد، فبايع، وأسلم، ثم دنوت، فقلت: يا رسول اللَّه إني أبايعك على أن يغفر لي ما تقدم من ذنبي، ولم أذكر: وما تأخر، قال: فقال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-:"يا عمرو بايع، فإن الإسلام يجب ما كان قبله، وإن الهجرة تجب ما كان قبلها"وعند ابن ماجه قوله -صلى اللَّه عليه وسلم-:"التائب من الذنب كمن لا ذنب له".
راجع: مسند أحمد: 4/ 199، 204، 205، وسنن ابن ماجه: 2/ 562 وما بعدها وانظر: صحيح مسلم: 8/ 91 وما بعدها، وتحفة الأحوذي: 9/ 517 وما بعدها والترغيب والترهيب: 4/ 88 - 116.