الصفحة 148 من 316

التكنولوجي لتساهم في تشكيل الاستراتيجية خلال القرون قبل 1800. فأمكن الانطلاق بالحملة العسكرية دون الاهتمام كثيرة بالمؤخرة، في عهد تألفت به تسعة أعشار من مجموع الإمدادات (وزنا) من الغذاء والعلف وأمكن جمعها حيث هي وهو عهد أتاح فيه تخلف النظام المصرفي جباية المبالغ النقدية الكبيرة مباشرة من البلدان المحتلة واستخدامها لدفع رواتب الجنود وشراء المؤن، كما أنه افترض بالوقت ذاته أن الجندي لن يحتاج إلى معطف جديد سوى مرة كل سنتين. أي أنه وجبت هوة بين إدارة الحرب بالميدان وبين الحياة القومية (أو حياة القبيلة أو حياة الدولة - المدينة) ، وهي هوة لم تختفي كلية إلا حين أدت الحرب العالمية الأولى إلى تعبئة المجتمعات الكاملة. فكان وجود تلك الهوة هو الذي أتاح للحكام من أولى الأزمنة أن يعملوا أيضا كقادة ميدانيين، كما دلت ألقابهم الرسمية (3) . وقد سادت هذه الظروف حتى في زمن نابليون. وصحيح أن جيوشه أقامت مرارا خطوط اتصال أطول من أية محاولة سابقة (4) ، إنما ظلت الصلات بالوطن متخلخلة نوعا ما، ولم يوجد شيء يمنع تلك الجيوش من الانحراف عن تلك الخطوط لبعض الوقت. أي أن التخلف التكنولوجي نفسه الذي قيد القيادة الاستراتيجية بالميدان قد سمح للحرب أيضا أن تكون مكتفئة ذاتية، أو على الأقل مؤقتا وجزئية، فيحق النظر إلى السنوات المحيطة بالعام 1800 على أنها بين الأخيرة التي شهدت احتمال تحقيق الوحدة التقليدية بين الحاكم والقائد، على أن ذلك لا يفسر طبعا إحراز هذا النظام بين يدي نابليون ذلك النجاح العظيم. وبكلمات أخرى، لعل سر نابليون الحقيقي تمثل باستخدامه لتخلف عصره الاقتصادي والتكنولوجي كي يمارس القيادة بالميدان، مع عثوره بالوقت ذاته على الطرق الناجحة لتحرير الاستراتيجية من القيود التي فرضها عليها ذلك التخلف تقليدية. استخدام التكنولوجيا الموجودة إلى أبعد الحدود وجعل محدوديانها تعمل لصالح الذات بالوقت نفسه - اليس ذلك علامة العبقرية بعينها؟.

إنما يشكل عرض الثورة الاستراتيجية على أنها من خلق الإمبراطور وحده كلية مبالغة، بما أنه وجدت عوامل أخرى في أورويا القرن الثامن عشر عملت لتكون تلك الثورة ممكنة. فكان يتم بناء الطرق والقنوات الجديدة في كل مكان، مما سهل التنقل ووفر الطرق المتوازية للمرة الأولى. وربطت الأن شبكة منتظمة من الخدمات البريدية الملكية، تم تأسيسها من القرن السادس عشر فصاعدا وتوسيعها كثيرة في القرن الثامن

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت