الحمد لله رب العالمين المفضل على عباده بالنّعم السابغة، المنعم عليهم بمننه الكاملة، الذي خلق أصناف الخلق من حيوان وجماد، وفضل بعضهم فوق بعض درجات، وأنطق أنواع الحيوان بأصناف الأصوات، ووهب البشر أفضل الكلمات، وبعث النبيين مبشرين ومنذرين تترى، بألسنة مختلفة ولغات شتّى، وبعدُ، فقد انماز هذا البحث الموسوم بـ"التعبير الشفهي والكتابي في ضوء علم اللغة التدريسي"بمعالجة مهارة من أرفع المهارات قدرًا، وأهمها منزلة، وأقصد بذلك مهارة التعبير بصنويها الشفهي والكتابي.
وإنّ الجهد المبذول في هذه الدّراسة، ينطلق من التعامل مع مبحثي التعبير الشفهي والكتابي على أساسٍ من تلبية بعض الحاجات اللغوية الملحة للناطقين بالعربية بصفة رئيسة. فقد حاول الباحث جاهدًا أن يقدّم عملًا متقدّمًا وإضافة نوعيّة في هذا المضمار، حيث انتظم عمله بانسجام في مطلبين متكاملين جمع بين التبصّر في الأنظار اللسانية واِستحضار التجربة الميدانية، في تعليم التعبير للناطقين بالعربية وبغيرها.
إنّ التعبير الشفهي والكتابي ركن من أركان مهارات اللغة العربية، بل هو الغاية من الاستعمال اللغوي، فالغاية من الاستعمال هي أداء المعاني وقضاء الحاجات، وبعبارة أخرى هي الاتّصال اللغوي لتسيير شؤون الحياة وللتواصل الإنساني.
يحظى التعبير بشقيه بأهمية قلّ نظيرها بالنسبة للمهارات اللغوية الأخرى، إذ هو المحصلة النهائية لمدى تطور الطالب لغويًا، فمن خلاله يتضح للقارئين أو المستمعين الحظ الذي ناله هذا الشخص من النحو والصرف والبلاغة، ومحفوظاته من الشعر والنّثر، ومدى استفادته مما مرّ عليه أو درسه. وبكلمات أُخَر إنّ التعبير غاية، والفروع الأخرى إنّما وجدت خوادم وتوابع تؤدّي إلى التعبير شفهيًّا كانَ أم كتابيًّا.
ومن أجل كلّ ذلك حاول الباحث استقصاء هذا الموضوع، وإجلاء القول فيه لعله بذلك يضع لبنة تخدم صرح اللغة العربية، فقد بين الباحث الفروقات الدلالية بين المصطلحات الشائعة في هذا الميدان، وفنّد بعض أقوال الباحثين التي لم تستند إلى أسس لغوية علمية. ثم أفضى الباحث إلى تبيان ماهية التعبير بنوعيه وأغراضه وأسسه النفسية واللغوية والتربوية وروائزه. ليدلف بعد ذلك إلى رسم منظم متقدم يوضح خلاله أنواع التعبير التي قل أن جمعت بين دفتي كتاب واحد، فتحدث الباحث عن تقسيماتها باعتبار التدوين، والإجراء، والهدف والأسلوب. كما تطرق الباحث إلى طرائق تعليم التعبير الشفهي وأساليبه المتنوعة من أسلوب القصة مرورًا بطريقة الحوار الحرّ وصولًا إلى استراتيجية المحادثة الحرة. وقد مهّد الباحث لذلك كله بماهية عملية التحدث وخطواتها.