وبدأت مع النسوة التمثيل بأصحاب رسول الله، حتى اتخذت من آذان الرجال وأنوفهم خدمًا وقلائد، وهي التي حرضت وحشي بن حرب على قتل حمزة بن عبد المطلب حيث وعدته بالحرية، فقتل الأسد بوحشية في ذات يومِ رأها بعض الناس ومعها ابنها معاوية بن أبيه، فتوسموا فيه النبوغ، وقالوا لها: إن عاش هذا ساد قومه، فلم يعجبها هذا المديح فقالت في إباء وتطلع: لا رفعه الله إن لم يسد إلا قومه.
تربى معاوية في كنف تلك القوية ونشأ في بيتها، يتعلم منها مبادئ الحكمة وفنونها والريادة والقيادية. وورث عنها الإصرار على بلوغ الهدف والعزيمة التي لا تلين أو تخضع.
عندما خرجت من مكة متوجهة للطائف خرج معها فرآه رجلًا من الأعراب فقال لها: شدي يديك بهذا الغلام، وأكرميه فإنه سيد كرام، فقالت هند: بل ملك همام، كبار عظام، ضروب وهام، ومفيض أنعام وارتجلت فيه شعرًا قائلة:
إن ابني معرق كريم ... محبب في أفعله حليم
ليس بفحاش ولا لئيم ... ولا بطخرور ولا سئوم
صخر بني فهر به زعيم ... لايخلف الظن ولا يخيم
فعاش معاوية زمنًا، وآلت إليه الأمور، وقاد بني أمية، وعرف بالحكمة، وانساقت الدنيا كالخيل تتسابق إلى ولايته
وبقيت هند ترفعه، وتشد من أزره، وتهيب بقدره، أمام العظماء أمثال عمر وصحابة محمد ?
وكانت تعتد بابنها أمام أباه الذي كان يشيد بيزيد.
ذات يوم خاطبها أبو سفيان عندما ولى عمر بن الخطاب يزيد بن أبي سفيان الشام، وخرج إليه معاوية، فقال ابو سفيان: كيف ترين! صار ابنك تابعًا لأبني، فقالت: إن اضطرب حبل العرب، فستعلم أين يقع ابنك مما يكون فيه ابني، فمات يزيد بالشام، فولى عمر بن الخطاب معاوية موضعه، فقالت هند لمعاوية: والله يا بني، إنه لقل ما ولدت حرة مثلك، وقد استنهضك هذا الرجل فاعمل بموافقته أحببت ذلك أم كرهته.
وحين بلغها نعي يزيد قال لها بعض المغرين:"إنا لنرجو أن يكون ابنك خلف يزيد، فقالت: مثل معاوية لا يكون خلفًا لأحد، فوالله لو جمعت العرب من أقطارها ثم رمي به فيها، ليخرج من أي أعراضها شاء."
شهد له الناس والعامة بالحكمة، وحسن القيادة لدولة متشعبة، مترامية ألأطراف، وعرف بينهم برجاحة الرأي